اهلا وسهلا بك فى بوابة الثانوية العامة ... سجل الان

العودة   بوابة الثانوية العامة المصرية > الاقسام المميزة > قضايا سياسية

قضايا سياسية قسم يختص بعرض المقالات السياسية و آراء الأعضاء فى الأحداث السياسية الجارية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-08-2017, 11:15 PM
الصورة الرمزية aymaan noor
aymaan noor aymaan noor غير متواجد حالياً

رئيس مجلس الادارة

 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 26,502
معدل تقييم المستوى: 10
aymaan noor will become famous soon enough
افتراضي الخطرعلى مصر وفيها


الخطرعلى مصر وفيها



عبد الحليم قنديل

ربما لا يصح التهوين ولا التهويل، فالدولة المصرية ليست خيمة بدوية، ولا هي قشة في مهب ريح، والدولة في مصر كيان عظيم الرسوخ، عمره آلاف السنين، وقد تكون أقدم دولة ظهرت في الدنيا، وقد تعرضت لعشرات الموجات من الاحتلالات وعسف وفشل نظم الحكم، لكن جغرافيا مصر لم تنفرط أبدا، وظلت على «حطة إيد» الملك مينا موحد القطرين القبلي والبحري.

ونحن هنا نقصد الدولة بالطبع، وليس الحكومات العابرة، فنظم الحكم تأتي وتذهب، لكن الدولة معنى أكثر اتساعا، وأعظم قابلية للامتداد، فالدولة ليست نظام الحكم، وإن تأثرت في قوتها وضعفها بنظم الحكم، فالدولة أرض وشعب ونظام حكم، وفي مراحل كثيرة من تاريخ مصر الألفي، ضعفت الدولة المصرية، وتوالت عليها النكبات، بدون أن تصل أبدا لمراحل سقوط وزوال، فقد ظل الكيان المصري محفوظا، وظلت مصر «محروسة»، ليس فقط بالمعنى الديني، وهي البلد الوحيد الذي أفرطت في ذكره كتب السماء، وغمرتها بقدسية من نوع فريد، بل لعب التكوين المصري دوره في الثبات والرسوخ والحفظ والحراسة، وقد غيرت مصر أسماء أديانها وألفاظ لغتها مرات، لكن التكوين السكاني ظل موحدا في غالب سماته، وظل معنى التوحيد الديني والقومي هو الأساس، وظل التجانس الثقافي هو النغمة السائدة، وبدت المقدرة هائلة على امتصاص وتمصير الوافدين إلى مصر، فيما بدت جغرافيا مصر عصية على التفكيك، وظلت وتظل كقبضة يد مضمومة الأصابع إلى أن يرث الله الأرض.

والمعنى الظاهر بغير التباس، أن إسقاط الدولة المصرية مستحيل التحقق، وإن كان إضعاف الدولة المصرية واردا بالطبع، وقد تواتر في مراحل مختلفة، بل إن تاريخ مصر نفسه مشى في دورات متعاقبة، بدت مصر فيها قوية في أحيان وأزمان، تعقبها دورات من الضعف والذبول لا التلاشي، وفي مصر الحديثة والمعاصرة، بدا التعاقب من القوة إلى الضعف دوريا، فقد صعدت مصر ودولتها في عصر نهضة محمد علي، ثم كان تراجعها مع نهاية حكمه ومن بعده، ووقوعها فريسة لاحتلال طويل نسبيا، حتى عادت الدولة المصرية إلى دورة قوة جديدة مع نهضة جمال عبد الناصر، ثم جرى التراجع مجددا عقب حرب أكتوبر 1973، وفقدت مصر استقلال قرارها، ووقعت فريسة لاحتلال أمريكي غير مباشر، وجرى خلع ركائزها الإنتاجية الكبرى، وتبديد حيوية المجتمع المصري، وتحويل المجتمع إلى غبار بشري هائم، والدخول في مأساة الهجرتين، الهجرة إلى التاريخ بظاهرة العودة الدينية المعممة يأسا من الدنيا، والهجرة في الجغرافيا بحثا عن الرزق في بلاد الآخرين، بينما جرى نهب مصر داخليا، وكما لم تنهب في تاريخها الألفي، وبما أدى إلى فقدان مصر لدورها الذي وهبت له، دور القيادة والمثال في محيطها العربي.

وكان السبب في الانهيارات ظاهرا بوضوح، وهو التغير في نظام الحكم، والانقلاب على الاختيارات الأساسية للنهوض، وتجريف إنجازات التصنيع الواسع الذي تحقق في الفترة الناصرية، وتبديد أثره في خلق مجتمع جديد من قلب المجتمع القديم، وفك «العروة الوثقى» بين التنمية والعدالة، وتكبيل مصر بقيود ما سميت «معاهدة السلام»، وما تبعها من التزامات، أملتها المعونة الأمريكية، والتحول إلى اقتصاد الريع بدلا من اقتصاد الإنتاج، وشفط الثروة المصرية إلى أعلى، وتكون طبقة الواحد في المئة، التي تملك وحدها نصف إجمالي الثروة المصرية، فيما تملك شريحة التسعة في المئة التالية، قرابة ربع آخر من الثروة، ولا يبقى للتسعين في المئة الباقية من المصريين، سوى فتات ربع الثروة الباقي، ما جعل الوضع الاجتماعي جحيما لا يطاق، وهدم بنيان الطبقة الوسطى العاملة، وأضافها إلى كتلة الفقراء والمعدمين الغالبة، خصوصا مع اختيارات اقتصاد منحازة جوهريا للأغنياء والناهبين، وتفشي نفوذ امبراطورية الفساد، التي تمتص دم وعرق وأصول غالبية المصريين، وتخلق البيئة المثالية لنمو ظواهر البلطجة الاجتماعية والإرهاب الدموي، بما يزيد المخاوف على وضع الدولة المصرية، فالفساد هو أكبر حليف للإرهاب.

ولا نريد لأحد أن يجتزئ الصورة، أو يبتسر ويختصر الحقائق الناطقة، وأن يتصور، أو يصور للناس، أن قضية تقوية الدولة، أو تثبيت دعائمها كما يقال، قد يجوز حصرها في معنى أمني محض، فقد تكون المعاني الأمنية مهمة، وهي كذلك بالفعل، ولدى مصر الحاضرة، فوائض مزادة ومنقحة من القوى الأمنية المباشرة، فلدينا واحد من أقوى جيوش العالم على الإطلاق، ولدينا جهاز أمني متضخم، ونفقاتنا الأمنية هي الأعلى بأي معيار دولي، والمواجهة الأمنية لجماعات الإرهاب مطلوبة قطعا، والنصر فيها محتوم مهما طال المدى، وإن كنا نستطيع اختصار الطريق إلى يوم النصر، لو توقفنا عن تبرير الخيبات المتكررة، وأدركنا ضرورات التطوير الحاسم في الهياكل والأدوات، بخلق جهاز أمن أرشق وأذكى، والتركيز على أولويات المعلومات والتدريب والتكنولوجيا.

وهذه ليست معجزات، فقد صنعها غيرنا، حتى في دول أصغر منا كثيرا، وأقل بما لا يقاس في نفقاتها الأمنية، لكن المطلوب يظل ناقصا ومبتسرا، لو وقعنا في غواية التركيز على الجهد الأمني وحده، فأجهزة الأمن لا توجد في فراغ، ولا يصح تحميلها فوق ما تحتمل طبائعها، خصوصا مع بقاء الخلل المولد المغذي لنزعات البلطجة والإرهاب، وسوء اختيارات الاقتصاد والسياسة، وتحميل الفقراء والطبقات الوسطى وحدها فواتير إنقاذ الاقتصاد المنهك، ونقل الأعباء من على كاهل الدولة إلى كواهلهم، واستمرار سياسة حرق غالب المصريين في أفران الغلاء، بدعوى «إصلاح اقتصادي» لا يأتي، فليست العبرة بتكوين احتياطي نقد أجنبي، ولا بزيادته إلى الرقم ذاته الذي كان موجودا قبل ثورة 25 يناير 2011، وقد تكون في غالبه بقروض واستدانات جديدة، وبكلفة تزايدت بالديون الخارجية إلى قرابة 74 مليار دولار، فلا يقاس النجاح أبدا بمجرد تأليف سياسة نقدية جديدة، ولا بإصلاح أسعار الصرف وحدها، بل بإنتاجية الاقتصاد، وبالتصنيع الشامل الذي هو وحده قاطرة التقدم، وهو ما لا يوجد إلا على سبيل الاستثناء الطفيف في المجال المدني إلى الآن، فقد شهدت مصر من سنوات ورشة عمل هائلة، تقودها هيئات الجيش المنضبطة، وتوافرت لها موارد عظمى، قد تكون بلغت حاجز التريليوني جنيه في الثلاث سنوات الأخيرة، جرى توفيرها غالبا من خارج الموازنة الحكومية المنهكة، وجرى استخدامها في إنشاء مدن وموانئ وأنفاق وشبكات طرق ومحطات طاقة، وإتاحة فرص عمل موقوتة لما يزيد عن مليوني مهندس وفني وعامل مدني، وتلك إنجازات لا ينكرها أحد، غير أن الخلاف يبقى واردا في الأولويات، وقد لا ينازع أحد في أولوية محطات الطاقة، وهي حلقة حاسمة في إعادة تصنيع البلد، وقد كان ممكنا ولا يزال، أن يجرى تخصيص نصف موارد المشروعات الكبرى، وأن توجه لإنشاء مصانع كبرى، وعلى طريقة «صبح على مصر بمصنع»، ومن خلال شبكة تداخل ممكنة بين الصناعات الحربية والمدنية.

فالتصنيع وحده، هو الذي يوفر فرص عمل دائمة منتجة لملايين العاطلين، وهو الذي يقفز بحجم الصادرات، وهو الذي يخلق اقتصادا يستحق الصفة، وليس اقتصادا عليلا، يزداد إنهاكا بالعودة إلى الخصخصة واتباع روشتات «صندوق النقد» القاتلة.

والتصنيع هو الذي يخلق تعبئة شعبية تحتاجها مصر الآن، وبهدف خلق مجتمع جديد، وشفع مقتضيات الأمن بمقتضيات العدالة، وفرض نظام ضرائب عادل، وإقرار نظام «ضرائب تصاعدية»، لا تكون فيه إعفاءات لغير حوافز التصنيع، ويتضاعف فيه الحد الأقصى لضرائب الدخل على الشريحة الأعلى إلى 45%، وهي نسبة تقارب المعمول به في الدنيا الناهضة كلها، ومع وقف التردد في تصفية امبراطورية الفساد، وتخصيص عوائد الأراضي المنهوبة لتسديد ديون مصر الداخلية والخارجية معا، وتفكيك الاحتقان السياسى، ووقف التغول الأمني، وإخلاء سبيل عشرات الآلاف من المحتجزين في غير تهم العنف والإرهاب المباشر، وتفكيك القيود المفروضة على الحريات العامة، ورد الاعتبار للدستور، وهو جوهر نظام الحكم، فالدولة القوية لا تقوم بغير مجتمع قوي، وإنهاك المجتمع إنهاك للدولة، فالدولة لا يجري تثبيتها بمسامير أمنية، ولا بالاعتياد على سريان حالات الطوارئ، ولا بالتمادي في تكفير وتخوين الناس على غير مقتضى صحيح، ولا بكلام فارغ المحتوى عن تجديد الخطاب الديني، فتجديد المجتمع هو الأساس، والتنمية والعدالة والحرية هي التي تقوي الدولة، بينما الظلم يهدد الدولة ويبدد الدين، ويسقط البلد فريسة لهوان لا تستحقه.


رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 07:50 AM.