مشاهدة النسخة كاملة : آداب متعلم القرآن


ابو وليد البحيرى
27-05-2015, 10:21 AM
آداب متعلم القرآن



أبو يحيى زكريا سعيد




المختار من كتاب التبيان في آداب حملة القرآن (3)


جميع ما ذكرْناه من آداب المعلِّم في نفسه آدابٌ للمتعلِّم.

ومن آدابه: أن يجتنب الأسبابَ الشاغلة من التحصيل، إلاَّ سببًا لا بدَّ منه للحاجة.

وينبغي أن يُطهِّر قلبه من الأدناس؛ ليصلحَ لقَبول القرآن، وحِفظه واستثماره، فقد صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ألاَ إنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلحتْ صلح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدتْ فسد الجسدُ كلُّه، ألاَ وهي القلْب)).

وقد أحسن القائل بقوله: يُطيَّب القلْب للعلم كما تُطيَّب الأرض للزراعة.

وينبغي أن يتواضع لمعلِّمه، ويتأدب معه، وإن كان أصغرَ منه سِنًّا، وأقلَّ شهرة ونسبًا، وصلاحًا، وغير ذلك، ويتواضع للعِلم، فبتواضعه يدركه، وقد قالوا نظمًا:
الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى الْمُتَعَالِي http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



وينبغي أن ينقادَ لمعلِّمه، ويشاورَه في أموره، ويَقبلَ قوله كالمريض العاقل يقبل قولَ الطبيب الناصح الحاذق، وهذا أوْلى.

ولا يَتعلَّم إلاَّ ممن تكملت أهليتُه، وظهرتْ دِيانته، وتحقَّقت معرفتُه، واشتهرتْ صيانته، فقد قال محمد بن سيرين، ومالك بن أنس، وغيرهما من السَّلف: هذا العِلم دِين، فانظروا عمَّن تأخذون دِينكم.

وعليه أن ينظرَ معلِّمَه بعين الاحترام، ويعتقد كمالَ أهليته، ورجحانه على طبقته، فإنَّه أقربُ إلى انتفاعه به، وكان بعضُ المتقدِّمين إذا ذهب إلى معلِّمه تصدَّق بشيء، وقال: اللهم استرْ عيبَ معلِّمي عني، ولا تُذهب بركةَ علمه مني.

وقال الربيع - صاحب الشافعي - رحمهما الله: ما اجترأتُ أن أشربَ الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ؛ هيبة له.

وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: مِن حقِّ المعلِّم عليك أن تسلِّم على الناس عامَّة، وتخصَّه دونهم بتحية، وأن تجلسَ أمامه، ولا تشيرنَّ عنده بيدك، ولا تغمزنَّ بعينيك، ولا تقولنَّ قال فلان خلافَ ما تقول، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا تشاور جليسَك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلحَّ عليه إذا كَلَّ، ولا تعرض أيَّ تشبُّع من طول صحبته.

فينبغي أن يتأدَّب بهذه الخصال التي أرشد إليها عليٌّ - كرَّم الله وجهه - وأن يردَّ غِيبة شيخه إن قدر، فإن تعذَّر عليه رَدُّها، فارَقَ ذلك المجلس.

ويدخل على الشيخ كاملَ الخصال، متصفًا بما ذكرْناه في المعلِّم، متطهرًا مستعملاً للسواك، فارغَ القلْب من الأمور الشاغلة، وألاَّ يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخُ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان.

وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل، ويخصَّه دونهم بالتحية، وأن يُسلِّم عليه وعليهم إذا انصرف، كما جاء في الحديث: ((فليستِ الأُولى أحقَّ من الثانية))، ولا يتخطَّى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، إلاَّ أن يأذنَ له الشيخ في التقدُّم، أو يَعلم من حالهم إيثارَهم ذلك، ولا يُقيم أحدًا من موضعه، فإن آثره غيرُه لم يقبلْ؛ اقتداءً بابن عمر - رضي الله عنهما - إلاَّ أن يكون في تقديمه مصلحةٌ للحاضرين، أو أَمَرَه الشيخ بذلك، ولا يجلس في وسط الحلقة، إلاَّ لضرورة، ولا يجلس بين صاحبَين بغير إذنهما، وإن فسحَا له قعد وضمَّ نفسه.

وينبغي أيضًا أن يتأدَّب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ، فإنَّ ذلك تأدُّب مع الشيخ، وصيانة لمجلسه، ويقعد بين يدي الشيخ قعدةَ المتعلِّمين، لا قعدة المعلِّمين، ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، ولا يضحك ولا يُكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً من غير حاجة، بل يكون متوجِّهًا إلى الشيخ، مصغيًا إلى كلامه.

ومما يتأكَّد الاعتناءُ به ألاَّ يقرأَ على الشيخ في حال شُغل قلْب الشيخ ومَلله، وروعه وغمِّه، وفرحه وعطشه، ونُعاسِه وقَلقِه، ونحو ذلك مما يشقُّ عليه، أو يمنعه من كمال حضور القلْب والنشاط، وأن يغتنمَ أوقات نشاطه.

ومن آدابه: أن يتحمَّلَ جفوةَ الشيخ وسوءَ خُلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمتِه واعتقاد كماله، ويتأوَّل لأفعاله وأقواله التي ظاهرُها الفساد تأويلاتٍ صحيحةً، فما يَعجز عن ذلك إلاَّ قليلُ التوفيق أو عديمُه، وإن جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أنَّ الذنب له، والعتب عليه، فذلك أنفعُ له في الدنيا والآخرة، وأنقى لقلْب الشيخ.

وقد قالوا: مَن لم يصبر على ذُلِّ التعليم بقي عمرَه في عماية الجهالة، ومَن صبر عليه آلَ أمره إلى عِزِّ الآخرة والدنيا، ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ذللتُ طالبًا فعززت مطلوبًا، وقد أحسن مَن قال:
مَنْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الْمَذَلَّةِ سَاعَةً http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
قَطَعَ الزَّمَانَ بِأَسْرِهِ مَذْلُولاَ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



ومن آدابه المتأكدة: أن يكون حريصًا على التعليم، مواظبًا عليه في جميع الأوقات التي يتمكَّن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنُّه من الكثير، ولا يُحمِّل نفسه ما لا يُطيق؛ مخافةً من الملل وضياع ما حصَّل، وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال.

وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يَجِدْه انتظر ولازم بابَه، إلاَّ أن يخافَ كراهة الشيخ لذلك بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه، وأنَّه لا يُقرئ في غيره، وإذا وجد الشيخ نائمًا أو مشتغلاً بمُهمٍّ لم يستأذن عليه، بل يصبر إلى استيقاظه أو فراغه، أو ينصرف، والصبر أوْلى، كما كان ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره يفعلون.

وينبغي أن يأخذَ نفسه بالاجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط، وقوَّة البدن، ونباهة الخاطر، وقلَّة الشاغلات قبلَ عوارض البطالة، وارتفاع المنزلة، فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "تَفقَّهوا قبل أن تسودوا".

معناه: اجتهدوا في كمال أهليتكم وأنتم أتباعٌ قبل أن تصيروا سادة، فإنَّكم إذا صِرْتم سادةً متبوعين امتنعتم من التعلُّم؛ لارْتفاعِ منزلتكم، وكثرة شغلكم، وهذا معنى قول الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: "تفقَّهْ قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيلَ إلى التفقُّه".

وينبغي أن يُبكِّر بقراءته على الشيخ أوَّلَ النهار؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهمَّ باركْ لأمَّتي في بُكورِها)).

وينبغي أن يحافظ على قراءةٍ محفوظة، وينبغي ألاَّ يؤثِرَ بنوبته غيره، فإنَّ الإيثار مكروه في القُرَب، بخلاف الإيثار بحظوظ النفس فإنَّه محبوب، فإن رأى الشيخُ المصلحةَ في الإيثار في بعض الأوقات لمعنًى شرعيّ، فأشار عليه بذلك امتثل أمرَه.

ومما يجب عليه ويتأكَّد الوصية به: ألاَّ يحسُدَ أحدًا من رفقته أو غيرهم على فضيلةٍ رزقه الله إيَّاها، وألاَّ يعجب بنفسه بما خصَّه الله، وقد قدمْنا إيضاحَ هذا في آداب الشيخ.

وطريقه في نفي الحسد: أن يعلم أنَّ حِكمة الله -تعالى- اقتضتْ جَعْل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي ألاَّ يعترض عليها، ولا يكره حِكمةً أرادها الله - تعالى.

وطريقه في نفي العُجب: أن يُذكِّر نفسه أنه لم يُحصِّل ما حصَّله بحوله وقوَّته، وإنما هو فضل من الله، فلا ينبغي أن يُعجَب بشيء لم يخترعه، بل أوْدَعه الله فيه.

المصدر: هدية مجلة الأزهر جمادى الآخرة 1417 هـ