![]() |
من الشمائل والصفات المحمدية
من الشمائل والصفات المحمدية .. الحلم
كان نبي الرحمة محمدٌ صلى الله عليه وسلم رجلاً شديد الحِلم، يَصبِر على أذى الناس وجهْلهم، ولا يغضب لنفسه قط، ويتَّسِع صدرُه لمن أخطأ واعتدى في شفقة ورحمة، فيُقابِل جهالات الناس بالحِلم، ويُواجِه إساءة المسيء بالإحسان والبر. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجذَبه جذبةً شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء"[1]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بُعِثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعسِّرين»[2]. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليه فقال: «إنما بُني هذا البيتُ لذِكر الله والصلاة، وإنه لا يُبال فيه»، ثم دعا بسَجْل من ماء فأفرغه عليه. وقال هذا الأعرابي: "فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليَّ بأبي هو وأمي، فلم يَسُب ولم يؤنِّب ولم يضرب"[3]. وإليك هذه القصةَ العجيبة التي تدل على شدة حِلم النبي صلى الله عليه وسلم والتي تُعدُّ من دلائل نبوَّته وعلاماته صِدقه وإخلاصه؛ فقد كان زيد بن سعنة رجلاً يهوديًّا يعلم من كتابه علامات النبي الذي بشَّرت به التوراة، وأراد الله تعالى أن يهديه للإسلام، فقال زيد: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتُها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أُخبَرهما منه، وهما: يسبق حِلمه جهلَه، ولا يَزيد شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فكنت ألطف له إلا أن أُخالِطه فأعرف حِلمه من جهله. قال زيد بن سعنة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فأتاه رجل بدوي على راحلته فقال: يا رسول الله، إن بقربي قرية من بني فلان قد أسلموا، وقد أصابهم جفاف وشدة وقحْط ومجاعة، فهل لك أن تُرسِل إليهم بشيء تُعينهم به؟ قال زيد بن سعنة: فدنوتُ إليه فقلت: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا في حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: «لا يا يهودي، ولكن أبيعك تمرًا معلومًا إلى أجل كذا وكذا»، فقلتُ: نعم، فبايعني، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل معلوم، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البدوي، وقال له: «اعدل عليهم وأَعِنهم بها». قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفرٍ من أصحابه، فلما صلى على الجنازة، ودنا من جدار ليجلس، أتيتُه فأخذتُ بمجامع قميصه وردائه، ونظرتُ إليه بوجه غليظ، فقلت: له: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتُكم بني عبدالمطلب إلا تُماطِلون في ردِّ الحقوق. قال زيد بن سعنة: فرماني عمر بن الخطاب ببصره، فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أُحاذِر قوته لضربتُ بسيفي رأسَك. ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتُؤدة وتبسُّم، ثم قال: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن المطالبة، اذهب به يا عمر فأعطِه حقَّه، وزده عشرين صاعًا من تمر؛ تعويضًا له مقابل ما رُعته وخوَّفته». قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر، ثم قال عمر: ما دعاك أن فعلتَ برسول الله ما فعلتَ، وقلتَ له ما قلت؟ قلتُ: يا عمر، لم يكن من علامات النبوَّة شيء إلا وقد عرفتُه في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه، إلا اثنتين لم أُخبَرهما منه: يسبق حِلمه جهله، ولا يزيد شدة الجهل عليه إلا حِلمًا، فقد اختبرتهما، فأُشهِدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وآمن به وصدَّقه وتابعه[4]. إيهاب كمال أحمد [1] البخاري (2916) ومسلم (1749). [2] البخاري (213). [3] أحمد (10129). [4] القصة منقولة هنا باختصار وتصرف، وقد رواها الحاكم (3: 604) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في دلائل النبوة (6: 278)، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (2: 607): رجال إسناده موثقون، وقال الهيثمي في المجمع (2: 242): رجاله ثقات. |
من الشمائل والصفات المحمدية .. الصدق
الصدق يحتل مكانًا رئيسًا في منظومة الأخلاق الإسلامية، ومنه ما يتعلَّق بالقول، ومنه ما يتعلق بالعمل[1]. وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الصدق وعظَّم شأنه فقال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل لَيَصدُقُ حتى يكون صدِّيقًا، وإن الكذب يَهدي إلى الفجور، وإن الفُجور يَهدي إلى النار، وإن الرجل ليَكذب حتى يُكتَب عند الله كذابًا»[2]. وقد اشتهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقه حتى قبل بعثته؛ حيث كان معروفًا بين الناس بأنه صادق أمين؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، صعِد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل يُنادي: «يا بَني فِهر، يا بني عديٍّ - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يَستطِع أن يَخرُج، أرسل رسولاً ليَنظر ما هو، فقال صلى الله عليه وسلم: أريتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟». قالوا: نعم؛ ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا[3]. وفي رواية: "ما جرَّبنا عليك كذبًا"[4]. فهذه شهادة من كفار قريش لنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم لم يَأثِروا عليه كذبًا قطُّ، ولم يَعلموا عنه إلا الصدق. ومن المواقف التي تظهر جانب الصدق وأهميته ومراعاته لأقصى درجة ما حدث في غزوة بدر؛ حيث التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق قبل الغزوة على مَقرُبة من بدر مع شيخ من العرب يُقال له: سفيان الضمري، فسأله الرسول عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه من أخبارهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال الرسول: «إذا أخبرتنا أخبرناك»، قال: ذاك بذاك؟ قال: «نعم»، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرَجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش، فلمَّا فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء»، ثم انصرف عنه، فقال الشيخ: ما مِن ماء؟ أمن ماء العراق؟[5]. فقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء» من التوريات البديعة، وهو يَحتمل معنيين: معنى قريب، وهو المكان المعروف بهذا الاسم، والثاني بعيد، وهو الماء الذي خُلِق منه الإنسان، وهو ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر الجزائري فيما يُستفاد من الغزوة: "مشروعية استعمال الرموز والمعاريض والتورية في الكلام في حالة الحرب، والتعميَة على العدوِّ"[6]. ففي مقام الحرب والقتال قد يُضطر الإنسان إلى عدم التزام الصدق في كل ما يقول؛ مراعاة لمصالح أعلى تتعلَّق بحفظ النفوس والأموال والنسل، بل حِفظ الدين نفسه. وقد كان إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم الشيخ عن حقيقة هويته يُشكِّل خطرًا على المسلمين، رُغم ذلك لم يلجأ النبي إلى الكذب، بل استخدم التورية والتعريض، وفي المَعاريض مندوحة عن الكذب، وبذلك حفظ جناب الصدق في قوله بلا إضرار بالمصلَحة العامَّة. إيهاب كمال أحمد [1] مفردات ألفاظ القرآن؛ للراغب الأصفهاني (ص: 479). [2] البخاري (5629)، مسلم (4718). [3] البخاري (4397). [4] مسلم (307). [5] سيرة ابن هشام (2: 598، 599)، البداية والنهاية (3: 11). [6] هذا الحبيب يا محب، أبو بكر الجزائري، (ص: 193). |
من الشمائل والصفات المحمدية .. العدل
كان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم مشهورًا بعدالته الشديدة وإنصافِه لكلِّ الناس المؤمن منهم والكافر، ومن المواقف الدالة على ذلك: وقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر يُعدِّل الصفوف بقدح في يدَيه قبل بَدء المعركة، وكان سواد بن غزيَّة خارجًا عن الصفِّ، فطعنه الرسول في بطنه قائلاً: «استوِ يا سَواد»، فقال سواد: يا رسول الله، أوجَعتني وقد بعثَك الله بالحق والعدل فأَقِدْني، فكشَف عن بطنه وقال: «استقِد»، فاعتنقه سواد وقبَّل بطنَه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حمَلك على هذا يا سواد؟»، قال: يا رسول الله، قد حضَر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العَهد بك أن يمسَّ جِلدي جلدك[1]. فحين طالب سواد بحقِّه في القود والقصاص، لم يتردَّد الرسول صلى الله عليه وسلم القائد العام للجيش في منحِه فُرصة الاقتصاص، وإن لم يكن يقصِد إيذاءه وإيجاعه من البداية، ليَضرب بذلك مثلاً رائعًا للعدالة في الإسلام. ومن مواقف العدالة السامية نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن *** مَن خرَج مع قريش مُكرَهًا في هذه الغزوة؛ حيث قال: «إني قد عرفتُ أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرِجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمَن لقي أحدًا من بني هاشم فلا ي***ه، ومن لقي أبا البُحتريِّ فلا ي***ه، ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فلا ي***ه، فإنه إنما خرج مُستكرَهًا»[2]. ولا شك أن ترك قتال المُكرَه في هذا المقام الصعب فيه تحقيقٌ لأسمى معاني العدل والإنصاف. ومن مواقف العدل أيضًا رفض الرسول صلى الله عليه وسلم إعفاء عمِّه من دفع الفدية ومُساواته بالأسرى، رغم أنه كان مُسلِمًا ويُخفي إسلامه. فعن أنس رضي الله عنه أن رجالاً من الأنصار استأذَنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فلنَترُك لابن أختنا عباسٍ فداءَه، فقال: «لا تدعون منه درهمًا»[3]. ومن المواقف العجيبة أيضًا ما روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت: "لما بعَث أهل مكة في فداء أُسرائهم، بعثَت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثَت فيه بقِلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بَنى عليها. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة ابنته، رقَّ لها رِقَّةً شديدة، وقال: (( «إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها، وتردُّوا عليها الذي لها، فافعلوا»، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردُّوا عليها الذي لها"[4]. إن هذا الموقف يوضِّح عدالة النبي صلى الله عليه وسلم التي وقفت في مواجَهة مَشاعر الأبوة الصادقة، فلم يَحكم النبي بشيء يُميِّز به ابنته، ولم يقطع أمرًا دون صحابته، وكان بإمكانه أن يحكم ولن يردَّ أحدٌ حكمَه، ولكنه العدل النبوي قد مُزِج بمشاعر الأبوة الصادقة، فبلغ الكمال في الجهتين. وروت عائشة أيضًا رضي الله عنها أن امرأة سرَقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو الفتح فأُتي بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه يتوسَّط لها ليعفو عنها، فلما كلَّمه تلوَّن وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في غضب: «أتشفَع في حدٍّ من حدود الله؟!». فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العَشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، إنما أهلك الناسَ قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقَت، لقطعتُ يدها»[5]. إيهاب كمال أحمد [1] السيرة النبوية؛ لابن هشام (2: 607، 608)، والبداية والنهاية (3: 23). [2] تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، (2: 34). [3] أخرجه البخاري (2352). [4] تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك (2: 43). [5] البخاري (3216)، ومسلم (3196)، والنسائي (4841) وهذا لفظه. |
من الشمائل والصفات المحمدية .. الكرم
الكرم كان شيمة وصفة ملازمة لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حيث كان أكثر الناس كرمًا وأجودهم بالخير؛ فقبلَ بعثتِه كان النبي صلى الله عليه وسلم مشهورًا بكرمه الشديد، لا سيما مع الفقراء والضعفاء والأيتام، وكان من أكثر الناس كرمًا مع ضيوفه، وكان يُشارِك الناس ويُعينهم فيما يصيبهم من خير أو شر. فعندما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وجاء إلى زوجته خديجة رضي الله عنها وحكى لها ما حدث، قالت له: "كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق"[1]. ومعنى تَحمِل الكلَّ: أي تتحمَّل أثقال الفقراء والضعفاء والأيتام بالإنفاق عليهم وإعانتهم بالمال، أما تكسب المعدوم، فتعني: أنك تتبرَّع بالمال لمن لا يجده، وتَقري الضيف معناها: أنك تُكرم ضيوفك، وأما معنى تُعين على نوائب الحق: أي تُعين الناس فيما يصيبهم من خير أو شر. أما بعد بعثته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأكثرهم جودًا، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارِسه القرآن، فلرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المُرسَلة"[2]. وقد تعدَّدت المواقف الدالة على الكرم في حياته صلى الله عليه وسلم عمومًا مع كل الناس، حتى إنه كان يكرم أعداءه ومُحاربيه. فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأَسرى في غزوة بدرة وأمر بإكرامهم وحسن تعامل الصحابة معهم؛ روى ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرَّقهم بين أصحابه، وقال: «استوصوا بالأسارى خيرًا». وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير في الأسارى، فقال أبو عزيز: وكنتُ في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحَني بها، فأستحيي فأرُدّها على أحدهم فيردها عليَّ ما يمسُّها[3]. وكان الخبز لديهم أجود من التمر؛ لكثرة التمر عندهم، وقلة الطحين والخبْز. إيهاب كمال أحمد |
من الشمائل والصفات المحمدية .. الشجاعة
الرسول الكريم والقائد العظيم لم يكن يكتفي بمقام القيادة العسكرية والروحية، بل كان يُشارِك بنفسه في القتال، ليس ذلك فقط، بل كان صلى الله عليه وسلم في أول الصفوف القريبة من العدو يقدِّم نموذجًا حيًّا للشجاعة والبطولة والإقدام، ولقد شَهِد له بذلك بطل من أشجع الشجعان، وهو علي بن أبي طالب، وما أدراك ما علي في بطولته وشجاعته وإقدامه! ورُغم ذلك قال: "لقد رأيتُنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا للعدو، وكان من أشدِّنا يومئذٍ بأسًا"[1]. ومن المواقف التي توضِّح شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ذات مرة بالبطحاء، فأتى عليه ركانة بن يزيد، ومعه شياه له، وكان ركانة مشهورًا بقوَّته وشدته في المصارعة. فقال ركانة: يا محمد، هل لك أن تُصارعني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم في ثِقة: «ما تَسْبِقُني»؛ أي: ماذا تُعطيني لو فزتُ عليك؟ قال: شاة من غنمي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجاعة فصارعه فصرعه، وأخذ شاة. فأراد ركانة أن يُعوِّض خسارته، فقال: هل لك في العود - أي: هل تصارعني مرة أخرى؟ - قال صلى الله عليه وسلم: «ما تسبقني؟»، قال: شاة أخرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجاعة فصارعه فصرعة ثانية، وأخذ الشاة الأخرى، ثم تكرَّر هذا الأمر مرارًا، وفي كل مرة يَصرعه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ركانة: يا محمد، والله ما وضع أحد جنبي إلى الأرض، وما أنت الذي تَصرعني، فأسلم ركانة، وردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم غنمه[2]. ومن مواقف الشجاعة أيضًا ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في موقف بطولي فذ وهو يواجه الموت، وجحافلُ الأعداء قد شجُّوا رأسه، وكسَروا رباعيته، وطالوا وجنتَه، وأصرُّوا على ***ه، وهو كالجبل الأشمِّ، يُدافع ويُجالد جموع المشركين المُحيطين به من كل ناحية، وهو يقول: «إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله»[3]، ولم يزل يجمع الأصحاب حوله حتى قويت عزائمهم، واشتدَّ صُلبهم، واستعادوا أنفاسهم وعادوا إلى القتال، فكان سببًا مُباشِرًا في إفاقة الجيش من غفلته التي إن طالت ربما زادت الخسائر وتضاعفَت، لكنه الثبات النبوي الذي يفوق ثبات الطود الشامخ أمام الموج العاتي. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلةً فخرجوا نحو الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخبر وهو على فرس وفي عنقه السيف وهو يقول: «لم تُراعُوا، لم تُراعُوا»[4]؛ أي: لا تشعروا بالخوف؛ فليس هناك ما يَضرُّكم. إيهاب كمال أحمد [1] أحمد (619)، وصحَّحه البيهقي في دلائل النبوة، انظر: كنز العمال (29943). [2] أبو داود (3556)، والبيهقي (10: 18)، وحسَّنه الألباني في إرواء الغليل (1503). [3] السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة (2: 198). [4] البخاري (2692)، مسلم (4266). |
من الشمائل والصفات المحمدية .. العفو والرحمة
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس عفوًا، لا ينتصر لنفسه قط، ولا يغضب إلا إذا انتُهكت محارم الله، أما في حقه الشخصي، فقد كان عفوًّا حليمًا رحيمًا. فعن أنس رضي الله عنه قال: خدمتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ قط، وما قال لشيء صنعتُه: لِمَ صنعتَه؟ ولا لشيء تركتُه: لمَ تركتَه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا[1]. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حُرمة الله، فيَنتقِم بها لله"[2]. وقد مكَث الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في مكة ثلاث عشرة سنة مأمورين بالعفو، لا يُقاتلون مَن يُقاتلهم، ولا يردُّون على الإيذاء بمثله، رغم ما يتعرَّضون له من تنكيل واضطهاد و***** يومي، ورغم ما يُقاسونه من ويلات ومؤامرات قد بلغت ذِروة الوحشيَّة. وقد ذهب عبدالرحمن بن عوف وبعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عزٍّ ونحن مشركون، فلما آمنَّا صِرنا أذلة، فقال: «إني أُمرتُ بالعفو، فلا تقاتلوا»[3]. ومن المواقف التي تدل على حِلمه وعفوه ورحمته أنه في غزوة أحد، مرَّ جيش المسلمين في أثناء سيره ببستان رجل كافر أعمى يُدعى: مربع بن قيظي، فلما سمع حِسَّ الجيش، قال: لا أُحِل لك إن كنت نبيًّا أن تَمرَّ في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: لو أعلم ألا أصيب بها غيرَك لرميتُ بها وجهَك، وأساء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. فابتدره القوم لي***وه ويؤدِّبوه؛ عقابًا له على سوء أدبه مع خير الخلق صلى الله عليه وسلم لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم بحِلم وعفو ورحمة أمرهم أن يتركوه، ولا يمسُّوه بسوء قائلاً لهم: «دعوه؛ فإنه أعمى القلب أعمى البصر» [4]. وفي غزوة أحد أيضًا خَلَص المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجرحوا وجهه، وكسروا رَباعيتَه، وهشَّموا الخوذةَ على رأسه، ورموه بالحجارة، ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه، وسال الدم من وجنته. وأخذت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تَغسِل الدم عن وجهه، فكان الدم يَزيد حتى أخذت قطعة من الحصير، فأحرقتْها وألصقتها بالجراح، فاستمسك الدم[5].ثم إننا لنعجب أن نرى إزاء هذا الإيذاء الظالم والتعدي الفاحش إحسانًا وفضلاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يمسح الدم عن وجهه قائلاً: «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون». قال أبو حاتم: يعني هذا الدعاء أن قال يوم أحد لما شجَّ وجهَه: «اللهم اغفر لقومي ذنبهم بي من الشجِّ لوجهي»[6]. وقال أبو بكر الجزائري: "مظاهر رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم تجلَّت في عفوه عن الأعمى الذي سبَّه ونال منه حتى همَّ أصحابه ب***ه فأبى عليهم، وقال: «دعوه؛ فإنه أعمى القلب أعمى البصر»، وفي قوله وهو يُجفِّف الدم عن وجهه الكريم الشريف: «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون»[7]. ومن مواقف رحمته صلى الله عليه وسلم وعفوه عن أعدائه، أنه بعد انتهاء معركة بدر واستقرار الرأي على قَبُول الدية في الأسرى وإطلاقهم، وكان من بين هؤلاء الأسرى أبو عزة عمرو بن عبيد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة، وكان فقيرًا محتاجًا ذا بنات، فقال: يا رسول الله، لقد عرفتَ ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن عليَّ، فمنَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه ألا يُظاهر أحدًا، فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن مُبلِغٌ عني الرسولَ محمدًا *** بأنك حقٌّ والمليك حميدُ ومن ذلك أيضًا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان ناسٌ من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة"[9].وأنت امرؤ تدعو إلى الحقِّ والهدى *** عليك من الله العظيمِ شهيدُ وأنت امرؤ بُوِّئت فينا مَبَاءة *** لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ فَإِنَّكَ مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ *** شقيٌّ ومَن سالمتَه لسعيدُ ولكن إذا ذُكِّرت بدرًا وأهله *** تأوب ما بي حسرة وقعود[8]. فانظر إلى هذا الموقف الجليل الذي فيه الرحمة بالأسرى، والحكمة في إدارة الأمور، والاهتمام بالعلم وتحصيله، سابقًا بذلك كلَّ الأنظمة العصرية التي أقرَّت الخدمة الاجتماعية كعقوبة لبعض المخالفات، وإن لم ترقَ إلى هذا المستوى الشامخ في معاملة الأسرى. ومن مواقف العفو أيضًا أن كفار قريش قبل صُلح الحديبية بعثوا خمسين رجلاً منهم لمعسكر المسلمين ليلاً، وأمَرُوهم أن يطوفوا بمعسكر المسلمين؛ ليصيبوا لهم أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غِرَّة، وكان على رأسهم مكرز بن حفص، ولكن جند المسلمين البواسل استطاعوا أن يأسروهم جميعًا إلا رئيسهم مكرز الذي فرَّ هاربًا، وكان على حراسة جيش المسلمين محمد بن مسلمة، فأتى بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم جميعًا، وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنَّبل[10]. ومن مواقف عفوه صلى الله عليه وسلم: ما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناحية نجد، وفي طريق العودة أدركتهم الظهيرة في وادٍ كثير العِضَاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرَّق الناس في العضاه[11] يَستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلَّق بها سيفه. قال جابر: فنمنا نومةً ثم إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدْعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي من المشركين من أعدائه، يقال له: غورث بن الحارث، جالس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا»[12] فقال لي: مَن يمنعك مني؟ «قلتُ: الله». فرعب الرجل وسقط السيف من يده، فتناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه، وقال للرجل: «مَن يمنعك مني؟»، قال: كن خير آخذ، «قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»، قال: لا، ولكن أُعاهِدك على ألا أُقاتِلك، ولا أكون مع قوم يُقاتلونك. قال جابر: فها هو ذا جالس، ثم لم يُعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلَّى سبيله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى قومه فقال: جئتُكم من عند خير الناس[13]. ويتجلَّى أعظم مواقف العفو بعد أن تحقَّق النصر العظيم في فتح مكة المبين؛ حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت، ثم دار وكبَّر في نواحيه، ثم خرج من البيت وقريشٌ قد ملأت المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنع، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدَق وعده، ونَصَر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوةَ الجاهلية وتعظُّمها بالآباء، الناس من آدم وآدمُ من تراب؛ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]». ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟»، قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء»[14]. إن عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعدائه بعد أن صاروا أسارى في يده، يَظنون كل الظن أنهم سيُؤخذون بذنوبهم وجرائمهم، وقد نشِف الدم في عروقهم، وتيبَّست أعصابهم، واصفرَّت جلودهم من شدة ما هُم فيه من الفزع والخوف، أن يقضي عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يستحقُّونه، قضاء يقضي عليهم، أو يَضرِب عليهم الرقَّ ويجعلهم عبيدًا يتقاسمهم المجاهدون، فما زال ما فعلوا بالمستضعفين شاخصًا في النفوس، وما زالت أيديهم تَقطُر من دماء الشهداء، وما أذاقوه للمؤمنين بمكة من ويلات وعذابات لم يُمحَ بعدُ من الذاكرة. إن غاية ما يرجى من نفس بشريَّة ظُلِمت بكل هذه الألوان من الظلم، ثم انتصرت وتمكَّنت من عدوِّها الجبار الطاغية، أن تقتصَّ منه بغير إسراف أو تعدٍّ. ولكنها النفوس التي حلَّقت في سمو أخلاقي عجيب، إنه عفو عام بلا تثريب، فلله در هذه النفوس الربانية، ولله درُّك يا نبي الرحمة! إيهاب كمال أحمد [1] البخاري (5578)، مسلم (4370)، والترمذي (1938) وهذا لفظه. [2] البخاري (3296)، مسلم (4294). [3] أخرجه النسائي (3036)، والحاكم (2377) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي. [4] زاد المعاد (3: 194)، وعيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير؛ لابن سيد الناس، (2: 5). [5] أخرجه البخاري (2695)، ومسلم (3345) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه. [6] صحيح ابن حبان (973)، والطبراني في الكبير (5694)، عن سهل رضي الله عنه. [7] هذا الحبيب؛ لأبي بكر الجزائري ص219. [8] البداية والنهاية (3: 80، 81). [9] أخرجه أحمد (2106)، والحاكم (2621) وصححه، ووافقه الذهبي. [10] سيرة ابن هشام (1: 989)، والبداية والنهاية (3: 334). [11] العضاه: الشجر الذي له شوك. [12] صلتًا: مجردًا مشهرًا. [13] القصة عند البخاري (3822)، ومسلم (1391)، وأحمد (13816). [14] سيرة ابن هشام (4 : 1078)، وزاد المعاد (3: 407، 408). |
|
جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 01:07 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.