مفهوم آخر في غاية الأهمية:
كيف تحرر فلسطين؟
أو من الممكن أن يسأل بطريقة أخرى: هل لابد من الانتفاضة وفقد هذا الكم الهائل من الدماء؟ أو هل من الممكن أن تحرر عن طريق المفاوضات والطرق الدبلوماسية والأمم المتحدة؟
والحقيقة أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يتم إلا عن طريق المقاومة، ولذا فأنا أريد أن أرسخ هنا مفهوم وجوب إستمرار الإنتفاضة.
لماذا يجب أن تستمر الإنتفاضة؟
■ أولاً: لأن هذا هو الطريق الشرعي الوحيد لتحرير فلسطين في مثل هذا الموقف.. وبصفة عامة فإن الشعوب لا تحرر إلا بالدماء والتضحيات والبذل والعطاء.. ومن المستحيل أن يأخذ المظلومون حقوقهم من الجبابرة والطواغيت حول طاولة مفاوضات.
- لو قعد الليبيون ألف سنة مع الإيطاليين حول طاولة مفاوضات ما خرج الطليان من أرضهم.
- ولو قعد الجزائريون ألف سنة مع الفرنسيين حول طاولة مفاوضات ما خرج الفرنسيون من أرضهم.
- بل لو قعد الفيتناميون ألف سنة مع الأمريكان حول طاولة مفاوضات ما خرج الأمريكان من أرضهم.. سنة من سنن الله في الأرض.
لماذا ستشذ فلسطين عن القاعدة؟!
هل اليهود أعظم أمانة وأوفى عهداً من الطليان والفرنسيين والأمريكان ولذلك نعلق كثيراً على زعمائهم.
وليس معنى هذا أننا ضد السلام.. أبداً..
نعرف الآية الكريمة التي أخرجها بعض العلماء للترويج للسلام مهما كان الثمن: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [الأنفال: 61].
لكن العلماء الأفاضل نسوا أن الآية التي قبلها هي {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رَّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]..
كما نسي العلماء الأفاضل أيضاً أن بعد هذه الآية بثلاث آيات {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال: 65].
ولا أدري كيف انتزعوها انتزاعاً من المصحف على طريقة ولا تقربوا الصلاة.
نحن لسنا ضد السلام.. لكن السلام الذي نريده هو السلام المبني على رد كامل الحقوق لأصحابها.. سلام الأقوياء الشرفاء وليس سلام الضعفاء الأذلاء.. لا نعطي سلاماً مقابل جزء من الأرض وكأنهم يتفضلون به علينا.. نعطي السلام بعد أن نأخذ الأرض بكاملها ونعطيه لمن عاش معنا على أرضنا موفياً بعهده ومرتبطاً بقانوننا ودستورنا.
ثم إليك هذه النصيحة الصادقة:
لا تعاهد اليهود - وبالذات اليهود - إلا إذا كنت أقوى منهم:
لماذا؟
لأنهم حتماً سيخالفون.. وحتماً سينقضون العهد.. ولن تردعهم إلا القوة {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100].
يحتجون أحياناً بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود.. لكن انظر إليهم كيف نقضوا عهدهم مع نبي! أفلا ينقضون عهدهم معنا؟! ثم انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نقضوا عهده.. انظر إليه كيف أجلاهم من بني قينقاع ومن بني النضير، وكيف ذبحهم في بني قريظة، وكيف هزمهم ودك حصونهم في خيبر.
وهكذا، إن كنت لا تملك قوة فلا معنى للمعاهدة.. فلن تكون المعاهدة إلا تسكيناً للشعوب إلى مرحلة جديدة يُنقض فيها العهد لا محالة.
إذن الإنتفاضة لابد أن تستمر وتؤيد بكل وسائل التأييد، لأنها السبيل الوحيد للتحرير.
■ ثانياً: أتحزنون على دماء الشهداء؟ أتعتقدون أنهم لو رضوا بالذل والهوان والاستكانة والبيع لعاشوا أطول؟! أبداً: {وَلِكُلِ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
هل لو مكث محمد الدرة في بيته ولم يخرج، أتراه كان حياً بين أظهرنا الآن؟! أبداً..
كان سيموت لا محالة، وكان سيحزن عليه أبواه وإخوته وأقاربه وأصحابه على أقصى تقدير، أما باستشهاده فقد أحيا أمة من أندونيسيا إلى المغرب.
ثم - أيها الأحباب - إنها الشهادة..
روى مسلم وأحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة)).
■ ثالثاً: كم من الشهداء سقط في أرض فلسطين منذ بدء الإنتفاضة في عام ونصف؟ مايقرب من ألفين؟ وهل هذا رقم يمثل شيئاً في مقاييس تغيير الأمم؟
في مذبحة صابرا وشاتيلا قتل من المسملين ثلاثة آلاف أو يزيد في يوم واحد.
في ثورة عز الدين القسام البطل الإسلامي المشهور، وعبد القادر الحسيني المجاهد الفلسطيني المعروف، في هذه الثورة من سنة 1935م إلى 1939م استشهد من الفلسطينيين اثنا عشر ألف بطل، وحكم بالإعدام على مائة وستة وأربعين واعتقل خمسون ألفاً، وهدم خمسة آلاف منزل.
الطريق - يا أحبابي - مازال طويلاً.
- الجزائر دفعت مليون شهيد للتحرير من فرنسا.
- أفغانستان دفعت مليون شهيد للتحرير من روسيا.
- أهل فيتنام - وهم ما بين بوذي وشيوعي - لا يرجون جنة ولا يرهبون ناراً، ولا يرغبون في أجر ولا يؤمنون بآخرة أصلاً، هؤلاء دفعوا أربعة ملايين قتيل ليتحرروا من العدوان الأمريكي!! ثمن الحرية غالي وعظيم.
بل انظر إلى غير ذلك.. كل الأمثلة السابقة ماتت من أجل الجنة أو من أجل الحرية.. لكن انظر إلى الأعداد التي تموت في غير هدف.
- مائة ألف قتيل في زلزال الهند.
- ثمانون ألف قتيل مدني في هيروشيما في نجازاكي، نتيجة القنبلة النووية المدمرة التي ألقتها الدولة المتحضرة.. أمريكا!!
- نصف مليون قتيل في التصارع على الحكم في أنجولا.
- 2 مليون ماتوا في السودان من سنة 1983م إلى سنة 2001م نتيجة الحرب الأهلية والمجاعة والفيضانات.
- 22 مليون قتيل للإيدز غير 37 مليون يحملون المرض وينتظرون الوفاة، مع العلم أن عمر الإيدز في الأرض هو عشرون عاماً فقط..
إذا كان كل هؤلاء يموتون بلا هدف، بل وقد يكون موتهم في مصائب أخلاقية كشذوذ أو تصارع على سلطة، أفلا يموت الفلسطينيون شهداء؟
ثم أليس للإنتفاضة حسنات أخرى غير أنها السبيل الوحيد للتحرير؟
أبداً والله إن حسنات الإنتفاضة لا تقدر بثمن.
أولاً: الأبعاد التربوية للإنتفاضة:
الإنتفاضة كسرت حاجز الخوف عن الفلسطينيين وأنتجت جيلاً لا يهاب الموت، وهي خطوة من أروع الخطوات في سبيل التحرير.. بل والله هي خطوة في سبيل سيادة العالم، لا سيادة فلسطين وحدها.. وإلا خبروني بالله عليكم، من ذا الذي يستطيع أن يقاتل شاباً في مقتبل العمر يحمل حزاماً ناسفاً حول وسطه، يحب الموت كما يحب أعداؤه الحياة!
الشعب الفلسطيني أصبح قادراً على التضحية بسهولة، وعلى الجهاد بتلقائية.. أحياناً تعيش الشعوب مئات السنين ولا تصل إلى ما وصل إليه أهل فلسطين من تضحية وجهاد.
ثانياً: الإنتفاضة ووضوح الرؤية:
الإنتفاضة أوضحت الرؤية العامة لدى عامة الفلسطينيين، بل ولدى عامة المسلمين.. عرف الجميع أن استجداء كرسي للتفاوض لا يقدم شيئاً، بل يؤخر الكثير.. وبات جميع المخلصين يدركون أن السلام ليس هو الخيار المناسب للطرح مع اليهود وأعوانهم.
ثالثاُ: الإنتفاضة وتوحيد الفصائل الفلسطينية المختلفة:
فأخيراً توحدت الفصائل الفلسطينية المختلفة تحت راية واحدة.. هذه نعمة لا تقدر، وثمرة من ثمرات الإنتفاضة، أخيراً اجتمعت فصائل شتى، واتجاهات مختلفة، وأصبح هدفها واحداً وهو إخراج الصهاينة عن طريق الإنتفاضة.. من كل الإتجاهات نجد الآن رجالاً يقاتلون ويستشهدون.
هذا الإتحاد سبيل واضح للنصر.. نسأل الله أن يحفظ وحدتهم وأن يبارك فيها.
رابعاً: توحيد العالم الإسلامي بأسره تحت راية واحدة:
شاهدنا إلتحاماً في المشاعر بين المسلمين في أندونيسيا وماليزيا ومصر والمغرب والسودان وكل بلاد المسلمين.. شاهدناه في العراق كما شاهدناه في الكويت.. وسبحان الله.. قضية فلسطين من القضايا المجمعة لهذه الأمة، وكما كانت الأمة مفرقة قبل احتلال الصليبيين لفلسطين قديماً، ثم جمعهم صلاح الدين الأيوبي بقضية فلسطين، فكانت حطين، وكان التحرير، فكذلك الإنتفاضة ستجمع المسلمين إن شاء الله، وسيكون التحرير إن شاء الله..
خامساً: ظهور السفور الأمريكي في تأييد إسرائيل:
أصبحت أمريكا لا تخفي عاطفتها، ولا تُجمِّل سياستها، وهي رسالة لكل المسلمين..
وهكذا فإن الإنتفاضة كشفت المستور، وهو مكشوف منذ زمن، لكن البعض يحتاج إلى زيادة إيضاح.
سادساً: أليس للإنتفاضة آثار على المجتمع الصهيوني؟!
قد يظن البعض أن الآلة العسكرية الهائلة، والأموال اليهودية الغزيرة، لن تتأثر بالأحجار والبنادق القديمة والأحزمة الناسفة.. أبداً.
تداعيات الإنتفاضة على المستوى اليهودي في منتهى الخطورة.
{إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104].
حالة مروعة من الرعب وعدم الأمن أصابت كل اليهود، بما فيهم كبار رجال الدولة. نقل التليفزيون الإسرائيلي لقاءً بين شارون وأحد وزرائه، والوزير يبكي لشارون لأنه يخاف أن يخرج من بيته.. هذا الوزير! والذي تحميه فرقة عسكرية!.. فكيف بعامة المحتلين؟!.
الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى خارجها تزايدت جداً، وإذا كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين كانت سبباً في ((تهويد فلسطين))، فإن الهجرة المعاكسة ستكون سبباً في ((أسلمة فلسطين)) إن شاء الله.
الإضطرابات الخطيرة في الجيش الإسرائيلي، ورفض الكثير من الجنود - كما سمعنا جميعاً - الامتثال لأوامر قادتهم خوفاً على حياتهم.. هذا ولا شك سيؤدي إلى خلخلة الجيش اليهودي.
الخسارة اليهودية الإقتصادية الفادحة:
- أكثر من 140 مليار دولار خسارة في السنة الأولى.
- السياحة ضربت تماماً.. نسبة الأشغال في الفنادق لا تتجاوز اثنين بالمائة!
- خمسون بالمائة من دور السينما أغلق أبوابه تماماً.
- كثير من المصانع اليهودية المعتمدة على العمال الفلسطينيين أغلقت أبوابها.
5- الخسارة الإقتصادية لم تقتصر على الشركات اليهودية في حيز الأرض الفلسطينية المحتلة، بل إن الشركات اليهودية العالمية قوطعت من كثير من المسلمين.. حتى الدول الإسلامية التي مازالت تحتفظ بعلاقات تطبيع مع إسرائيل قلصت من حجم تعاملاتها مع اليهود، وهذا ولا شك سيؤثر سلباً على إسرائيل.
6- وقف التطبيع: وارد جداً أن تقطع الدول العربية والإسلامية التي تُطبع العلاقات مع اليهود علاقاتها بإسرائيل في هذا الجو المشحون والغضب الجماهيري المتزايد.. وإن حدث ذلك فلا شك أنه سيخنق اليهود.
ومنذ قليل (إبريل 2002م) قطعت دولة النيجر الإسلامية علاقاتها مع إسرائيل.. وأول الغيث قطرة.
7- العزلة اليهودية عن العالم بأسره.. فرق الرياضة تخشى الذهاب إلى إسرائيل، فرق المسارح والفن أيضاَ.. الوفود الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية قلصت جداً من زيارتها للمنطقة.
8- الإنتفاضة فضحت جرائم اليهود على شاشات الفضائيات والإنترنت في العالم أجمع.. وقامت بالإعلام المضاد ضد الإعلام الصهيوني المضلل، ونتج عن ذلك إجماع العالم على إدانة إسرائيل في الأمم المتحدة لولا فيتو أمريكي، وإجماع العالم على إتهام اسرائيل بالعنصرية لولا إنسحاب أمريكي أيضاً.
إذن الشرع والعقل والتاريخ والواقع... كل هذا يؤكد أن الإنتفاضة لا بد أن تستمر.. وإنها الطريق الشرعي الوحيد لرد الحقوق إلى أصحابها.. فلا بد أن تؤيد بكل الطاقة، ولا بد أن نحرك هذا المفهوم بين عموم المسلمين وبسرعة.
بإذن الله بإنتظار مناقشاتكم في هذا الجزء..
__________________
<div align="center"><span style="font-family:Comic Sans Ms">ما أصعب أن يعطي الإنسان،، ثم يُقابل عطاءَه بالنكران</span></div>
|