فصل
في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفران
والاثبات أساس العلم والايمان
من قال أن الله ليس بفاعل*** فعلا يقوم به قيام معان
كلا وليس الأمر أيضا قائما*** بالرب بل من جملة الأكوان
كلا وليس الله فوق عباده*** بل عرشه خلو من الرحمن
فثلاثة والله لا تبقى من الا***يمان حبة خردل بوزان
وقد استراح معطل هذه الثلا***ث من الاله وجملة القرآن
ومن الرسول ودينه وشريعة الاسلام بل من جملة الأديان
وتمام ذاك جحوده لصفاته*** والذات دون الوصف ذو بطلان
وتمام ذا الايمان اقرار الفتى*** بالله فاطر هذه الأكوان
فإذا أقر به وعطل كل مفـ***ـروض ولم يتوق من عصيان
لم ينقص الايمان حبة خردل*** أنى وليس يقابل النقصان
وتمام هذا قوله أن النبـ***ـوة ليس وصفا قام به الانسان
لكن تعلق ذلك المعنى القديـ***ـم بواحد من جملة الانسان
هذا وما ذاك التعلق ثابتا*** في خارج بل ذاك في الأذهان
فتعلق الأقوال لا يعطي الذي***وقفت عليه الكون في الأعيان
هذا إذا ما حصل المعنى الذي*** قلتم هو النفسي في البرهان
لكن جمهور الطوائف لم يروا***ذا ممكنا بل ذاك ذو بطلان
ما قال هذا غيركم من سائر النـ***ـظار في الآفاق والأزمان
تسعون وجها بينت بطلانه*** لولا القريض لسقتها بوزان
يا قوم أين الرب؟ أين كلامه؟*** أين الرسول فأوضحوا ببيان
ما فوق عرش الرب من هو قائل*** طه ولا حرفا من القرآن
ولقد شهدتم أن هذا قولكم*** والله يشهد مع أولي الايمان
وارحمتاه لكم غبنتم حظكم*** من كل معرفة ومن ايمان
ونسبتم للكفر أولى منمكم*** بالله والايمان والقرآن
هذي بضاعتكم فمن يستامها*** فقد ارتضى بالجهل والخسران
وتمام هذا قولكم في مبدأ*** ومعادنا أعني المعاد الثاني
وتمام هذا قولكم بفناء دا***ر الخلد فالداران فانيتان
يا قومنا بلغ الوجود بأسره الد***نيا مع الأخرى مع الايمان
الخلق والأمر المنزل والجزا***ومنازل الجنات والنيران
والناس قد ورثوه بعد فمنهم*** ذو السهم والسهمين والسهمان
بئس المورث والمورث والترا***ث ثلاثة أهل لكل هوان
يا وراثين نبيهم بشراكم*** ما إرثكم مع إرثهم سيان
شتان بين الوارثين وبين مو***روثيها وسهام ذي سهمان
يا قوم ما صاح الأئمة جهدهم*** بالجهم من أقطارها بأذان
الا لما عرفوه من أقواله***ومآلها بحقيقة العرفان
قول الرسول وقول جهم عندنا*** في قلب عبد ليس يجتمعان
نصحوكم والله جهد نصيحة*** ما فيهم والله من خوان
فخذو بهديهم فربي ضامن *** ورسوله أن تفعلوا بجنان
فإذا أبيت فالسلام على من اتبـ***ـع الهدى وانقاد للقرآن
سيروا على نجب العزائم واجعلوا*** بظهورها المسرى الى الرحمن
سبق المفرد وهو ذاكر ربه*** في كل حال ليس ذا نسيان
لكن أخو الغفلات منقطع به*** بين المفاوز تحت ذي الغيلان
صيد السباع وكل وحش كاسر*** بئس المضيف لأعجز الضيفان
وكذلك الشيطان يصطاد الذي*** لا يذكر الرحمن كل أوان
والذكر أنواع فأعلى نوعه*** ذكر الصفات لربنا المنان
وثبوتها أصل لهذا الذكر والنـ***ـافي لها داع الى النسيان
فلذاك كان خليفة الشيطان ذا*** لا مرحبا بخليفة الشيطان
والذاكرون على مراتبهم فأعـ***ـلاهم أولو الايمان والعرفان
بصفاته العليا اذا قاموا بحمـ***ـد الله في سر وفي اعلان
وأخص اهل الذكر بالرحمن أعـ***ـلمهم بها هم صفوة الرحمن
وكذاك كان محمد وأبوه ابـ***ـراهيم والمولود من عمران
وكذاك نوح وابن مريم عندنا*** هم خير خلق الله من إنسان
لمعارف حصلت لهم بصفاته*** لم يؤتها أحد من الانسان
وهم أولو العزم الذي بصورة الأ***حزاب والشورى أتوا ببيان
وكذلك القرآن مملوء من الأ***وصاف وهي القصد بالقرآن
ليصير معروفا لنا بصفاته*** ويصير مذكورا لنا بجنان
ولسان أيضا مع محبتنا له*** فلأجل ذا الاثبات في الايمان
مثل الأساس من البناء فمن يرم*** هدم الأساس فكيف بالبنيان
والله ما قام البناء لدين رسـ***ـل الله بالتعطيل للديّان
ما قام الا بصفات مفصلا*** إثباتها تفصيل ذي عرفان
فهي الأساس لديننا ولكل ديـ***ـن قبله من سائر الأديان
وكذاك ذندقة العباد أساسها التـ***ـعطيل يشهد ذا أولو العرفان
والله ما في الأرض زندقة بدت*** الا من التعطيل والنكران
والله ما في الأرض زندقة بدت*** من جانب الاثبات والقرآن
هذي زنادقة العباد جميعهم*** ومصنفاتهم بكل مكان
ما فيهم أحد يقول الله فو***ق العرش مستول على الأكوان
ويقول إن الله جل جلاله*** متكلم بالوحي والقرآن
ويقول إن الله كلم عبده*** موسى فأسمعه بذي الآذان
ويقول ان النقل غير معارض***للعقل بل أمران متفقان
والنقل جاء بما يحار العقل فيـ***ـه لا المحال البيّن البطلان
فانظر الى الجهمي كيف اتى الى*** أس الهدى ومعاقل الايمان
بمعاول التعطيل يقطعها فما*** يبقى على التعطيل من إيمان
يدري بهذا عارف بمآخذ ال***أقوال مضطلع بهذا الشأن
والله لو حدقتم لرأيتم *** هذا وأعظم منه رأي عيان
لكن على تلك العيون غشاوة*** ما حيلة الكحال في العميان