عرض مشاركة واحدة
  #30  
قديم 10-11-2011, 11:11 PM
الصورة الرمزية محمد رافع 52
محمد رافع 52 محمد رافع 52 غير متواجد حالياً
مشرف ادارى متميز للركن الدينى ( سابقا )
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 19,444
معدل تقييم المستوى: 37
محمد رافع 52 will become famous soon enough
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والمناجاة هي الرابطة الوثيقة بين الإنسان وربّه، بين المخلوق وخالقه. الصلاة هي المهدئ والباعث على اطمئنان القلوب المضطربة والمتعبة، والمنزِّهة للباطن والمنيرة لروح الإنسان.
إنّها الباعث والميثاق للتحرك والاستعداد، بنحو واقعي بعيد عن التلون والخداع، للتخلص ممّا هو سيّئ ورديء، والتزود بكل ما هو صالح وجميل، وهي برنامج للعثور على النفس ومن ثمّ صناعتها وتهذيبها.
وبكلمة موجزة: هي رابطة وإفاضة دائمة مع منبع ومظهر كل ما هو جميل، مع الله. لماذا عدَّت الصلاة أفضل وأهم من جميع الواجبات، واعتبرت أساس الدين وعموده؟
لماذا تردّ جميع الأعمال من دونها؟ ما هو السرّ الخارق الكامن فيها؟
بوسعنا ملاحظة الصلاة من أبعاد مختلفة:
أولاً: لابدّ من الإشارة إلى الهدف من خلق الإنسان، إلى الشيء الذي يعدّ من الخطوط الأساسية في الرؤية الكونية للإسلام، كون الإنسان مخلوقاً، والاعتقاد بأن هناك قدرة حكيمة أوجدته، يستلزم أن يكون هناك هدف وقصد من خلقه وإيجاده.
يمكن أن نعدّ هذا الهدف قطع مسافة للوصول إلى محطة، قطع طريق بواسطة مخطط دقيق وبوسائل معينة للوصول ــ في النهاية ــ إلى تلك المحطة وذلك المنزل، وفي هذه الصورة لابد لنا من تعرف الطريق المنتهي إلى تلك الغاية، وتحديد المسير وجعل الهدف دوماً نصب أعيننا، لنتمكن من بلوغ تلك النتيجة الموعود بها. إنّ الذي يضع قدمه على الطريق، لا تشغله الطرق الملتوية والحركات التي تعيقه عن الاتجاه الصحيح؛ ولأجل حفظ الاتجاه الصحيح عليه أن لا يتمرد على أوامر القائد والمرشد (الرسول) الذي عيّن له.
وذلك الهدف هو رفعة الإنسان وتكامله اللاّمتناهي، والعودة إلى الله، وبروز الخصال الحسنة فيه، وتفجير طاقات الإنسان وقابلياته الكامنة، وتوظيفها بأجمعها في طريق إصلاح نفسه والعالم والإنسانية.
على الإنسان ــ إذن ــ أن يعرف الله، وأن يسلك الطريق الذي حدّده الله لتساميه، دون أيّ تباطؤ أو تأنٍّ.
إنّ ما يجعل معنى لحياة الإنسان هو أن يفعل الأشياء التي تقربه من هدفه، وأن يتجنب كلّ ما يضره، أو يعيقه عن الهدف؛ هذه هي فلسفة الحياة، ودونها تغدو الحياة تافهة لا معنى لها.
وبعبارة أخرى: إنّ الحياة مدرسة ومختبر لابدّ أن نطبق فيها جميع القوانين والنظريات التي أوجدها خالق العالم والحياة، ليمكن الوصول إلى نتيجة عالية ومرضية. هذه القوانين التي هي سنن الله في خلقه، يجب معرفتها وصياغة حياتنا وفقاً لها، ولابد أيضاً من معرفة النفس واستكشاف ذخائرها واحتياجاتها. تلك هي مسؤولية الإنسان وواجبه العظيم الذي بمجرد أدائه يكون الإنسان قادراً على التحرك الواعي الناجح، ولولاه لا يمكن التحرك، أو يكون عن غير وعي، فلا يحالفه التوفيق.
والدين عبر تحديده للهدف والاتجاه والطريق والوسيلة يمنح الإنسان أيضاً القدرة والزاد الضروري لقطع الطريق، وإنّ أهم متاع يحمله سالكو هذا الطريق هو "ذكر الله"، وإنّ روح الطلب والرجاء والاطمئنان ــ وهي أجنحة هذا التحليق ــ إنّما تتفرع وتتولد من ذكر الله.
إنّ ذكر الله يجعل الهدف، وهو الاتصال به تعالى، أي منتهى الكمال والحسن، نصب العين دوماً، ويحول دون الضياع، ويجعل السائر حاساً وحذراً بالنسبة إلى الطريقة والوسيلة، ويمنحه قوّة القلب والاطمئنان والنشاط، ويحفظه من الانزلاق والانخداع بالمظاهر الخلابة، أو الخوف من المنغصات.
إنّ المجتمع الإسلامي وكل مجموعة أو فرد مسلم، يمكنه أن يخطو في الطريق الذي حدده الإسلام ودعا إليه جميع الأنبياء، باستقامة ودون توقف أو تراجع إذا لم ينس الله. ومن هنا يسعى الدين جاهداً وبمختلف الطرق والوسائل لإحياء ذكر الله في قلوب المتدينين بشكل دائم.
ومن أهم الأعمال المفعمة بالدوافع لذكر الله، ويمكنها أن تجعل الإنسان مستغرقاً بذكره تعالى، وأن تكون موقظة للإنسان، وشاخصاً وعلامة ترشد السائر إلى الصراط المستقيم، وتحفظه من الضياع والانحراف، وأن تمنع من حدوث لحظة غفلة في حياة الإنسان هي الصلاة.
في غمرة الانشغالات الفكرية التي تعتري الإنسان، نادراً ما يلتفت إلى نفسه، وهدفه في الحياة، أو يفكر بمضي الساعات والأيام؛ فما أكثر الأيام التي تترك مكانها للّيل، وللأيام الأخرى التي ستسرع من جديد! ما أكثر الأسابيع والأشهر التي تمضي دون أن يلتفت الإنسان إلى بدايتها ونهايتها، أو يشعر بمضي الحياة ومعناها أو بطلانها!
الصلاة جرس منبّه، ومنذر في مختلف ساعات اللّيل والنهار، إنها تزود الإنسان ببرنامج وتريد منه عهداً، وتعطي لليله ونهاره معنى وتشعره بقيمة الزمن. إنّها تدعوه خلال الزمان الذي يكون فيه منشغلاً غير ملتفت إلى مضي الزمن وانقضاء العمر وترشده إلى انقضاء يوم وشروع آخر، وأنّ عليه أن يجدّ ويتحمل مسؤولية أكبر وأن يفعل ما هو أهم؛ لقد انقضى جزء من العمر بلا استثمار فيجب أن يكون أكثر سعياً وعطاءً، إذ انّ الهدف عظيم، فلنسع لنيله قبل فوات الأوان.
ومن جهة أخرى، فإنّ نسيان الهدف تحت ضغط المشاغل الماديّة هو أمر واضح وطبيعي، وإن إمكانية الوفاء بجميع التعهدات الملقات على عاتق الإنسان والواقعة في طريق بلوغ الهدف، في كل يوم أمر شبه مستحيل، والسماع ممّن حرفته هذه أشدّ محالاً.
علاوة على ذلك لا يتوفر أبداً الزمن الكافي لنيل جميع متطلبات وأفكار هذه الرسالة ــ الإسلامية التي تصنع حياة الإنسان وسعادته ــ في اليوم واللَّيلة، فهذه فرصة يستحيل أن تقع في متناول اليد.
الصلاة تتضمن خلاصة أصول هذه العقيدة، وما فيها من الأقوال والحركات المتناسقة والمنظمة هو علامة الإسلام.
بوسعنا تشبيه الصلاة بالسلام الوطني للدول، مع فارق في المعنى ونوع العطاء، لأجل أن ترسّخ الدولة أصولها ومتبنياتها الفكرية في ذهن الشعب، وبنائه على هذا النمط الفكري، تعمد إلى تكرار قراءة السلام الوطني الذي يمثل خلاصة الشكل المقبول لنمط الحياة وأهدافها لدى الدولة.
تكرار السلام الوطني سبب لتثبيت الناس على هذا النحو من الفكر، وتلقينهم أنهم أتباع هذا الوطن، والسائرون باتجاه تلك الأهداف؛ إذ إنّ نسيان أصول وأهداف الدولة، يعني تغيير المسار وعدم انتهاجه. هذا التكرار يجعلهم مستعدين للخدمة في هذه الجبهة، ويعلمهم المخططات والطرق، ويرشدهم إلى المسؤوليات والواجبات ويحيي في أذهانهم أسس الدولة، ويعيّن لهم الوظيفة، ويزودهم ــ حينئذ ــ بالشجاعة والجرأة والإقدام، ويهيّئهم للعمل.
__________________