الإمام مالك بن أنس:
ولد ببغداد عام (93) هـ وعاش فقيراً معدماً، حتى اضطر إلى بيع خشب بيته، وكانت ابنته (فاطمة) تبكي من شدة الجوع.
تزوج من أمة كي يحررها، فأنجبت له ثلاثة من الذكور هم محمد وحماد ويحيى، وبنتاً واحدة هي فاطمة، وكانت تحفظ كتابه (الموطأ) فإذا عقد أبوها مجلسه في منزله جلست خلف الستار، واستمعت، فإذا أخطأ القارئ دقت الباب، فيأمر مالك القارئ بإعادة القراءة وتصويب الخطأ.
لازم مالك (المدينة المنورة) وعدّ عمل أهلها حجة ومصدراً من مصادر التشريع الإسلامي والفقه الهامين، وكان يلتزم السّنّة ولا يفارقها في الإفتاء، ويأخذ بفتوى الصحابة؛ لأنهم السابقون الأولون إلى الإسلام، وكان لا يرفع الصوت في درس الحديث ويعدّه أمراً مكروهاً يحرم على المسلم أن يفعله ويستدل على ذلك بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ" فمن رفع صوته عند حديث النبي فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي... لكنه لم يلزم أهل الأقطار الأخرى بعمل أهل المدينة.
لما أقبلت الدنيا على مالك اهتم بنفسه كثيراً، فكان يغتسل ويتطيب ويلبس ثياباً فاخرة، ويتعمم، وعندما سُئل عن ذلك أجاب: "إنني أحب أن أجلس لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا بكامل زينتي"، وكان يأكل أفخر أنواع الأطعمة، ويحب الموز، ويعده من ثمار الجنة ويهتم كثيراً برياش المنزل وأثاثه، ويستعمل الفرش الوثيرة والنمارق والوسائد، ويفضل أن تكون محشوة بالريش الناعم، وينفق من سعة، وعندما عوتب على ذلك قال: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وبخاصة أهل العلم، إذ ينبغي لهم أن يظهروا مروءاتهم في ثيابهم؛ إجلالاً للعلم، فالتواضع في التُّقى والدين، وليس في اللباس..، فنقاء الثوب، وحسن العمة، وإظهار المروءة جزء من بضع وأربعين جزءاً من النّبوّة"، وقد كان صادقاً في أقواله، مثلما هو صادق في أفعاله، فقد حدث أن لدغته عقرب في المجلس، فلم يقطع الرواية، وعندما سُئل عن ذلك أجاب: "صبرت إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وكان يعرف للآخرين مقاديرهم وبخاصة العلماء، فعندما أراد المنصور أن يفرض كتاب (الموطأ) على الأمصار، حتى تتوحد الآراء الفقهية، رفض مالك طلب الخليفة وردّ عليه قائلاً: "أصلح الله أمير المؤمنين، فإن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد، فأفتى كلٌّ في بلده بما رأى، وإن لأهل (مكة) قولاً، ولأهل (المدينة) قولاً، ولأهل العراق قولاً، قد تعدوا فيه طورهم، وهم لا يرضون علمنا، واختلاف الفقهاء رحمة من الله تعالى بهذه الأمة".
إلا أن الإمام لم يكن يجلس حيث ينتهي به المجلس، فلا يرضى أن يكون في نهاية الصفوف، فهو يدخل على الخليفة ويسأله: أين أجلس؟ أو أين يجلس الشيخ؟ أو أين يجلس شيخك، أو عمك يا أمير المؤمنين؟ فيجيبه الخليفة: إلى جانبي يا أبا عبد الله، فيتخطى الناس حتى يصل إلى الخليفة، فيرفع مجلسه.
وكان يدعو العلماء للدخول على الحكام،ويأمرهم بدعوتهم إلى الخير ونهيهم عن الشر، وعندما قيل له في معرض الاتهام: إنك تدخل على السلاطين وهم يجورون؟! قال: يرحمكم الله، وأين التكلم بالحق، إن لم يكن في هذا الموقع؟! ويؤثر عنه أنه استنكر على الخليفة هارون الرشيد وجود الشطرنج عنده، فما كان من الرشيد إلا أن رماه برجله وأخرجه، كما نهى الخليفة المنصور عن رفع صوته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونهى المهدي عن الشرب من كوز له حلقة فضية، فما كان من المهدي إلا أن أتى بالكوز وقلع الحلقة الفضية منه، وأنكر على والي المدينة خروجه إلى صلاة العيد بالسلاح والرايات والتعبئة، ومن فتاواه العجيبة قوله: "كل ما في يد أمير المؤمنين ليس له".
تعرض مالك لمضايقات من السلطة بسبب آرائه، فقد كان يحدث الناس بحديث (ليس على مستكره طلاق) فطلب إليه المنصور ألا يحدث بهذا الحديث، كي لا يكون حجة لأعدائه للتخلص من بيعته ما داموا مكرهين عليها، ولكنه أبى، فحبسه المنصور وضربه، ولكنه ظل ثابتاً على موقفه؛ لأنه لا مجال للتنازل عندما يتعلق الأمر بالتشريع وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فعل الشيء نفسه مع الخليفة هارون الرشيد، الذي أمره بألا يحدث بحديث السفرجل، ولكنه رفض أمر الخليفة، وحدث بالحديث في الجلسة التي جاءه الأمر بالنهي عن الحديث فيها، وحديث السفرجل يتعلق بسفرجلات أهديت للنبي فوزع علىأصحابه سفرجلة لكل واحد وأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال له: تلقاني بها في الجنة، وهذا يعني أن هناك فضلاً لمعاوية، وهوما لا يريده الرشيد.
الإمام مالك هو صاحب الفضل في تعليم الفقهاء والقضاة والمفتين قول لا أدري، وكان كثيراً ما يرد على سؤال من أحد الأشخاص قائلاً: لا أدري، وكان يقول: من لا يعرف لا أدري كثرت مقاتله أي أخطاؤه.
وكان ينهى عن مدح الحكام والثناء عليهم، ويحذر المداحين، وكان يوماً عند أحد الحاكمين وسمع شخصاً يثني عليه، فقال للحاكم: إياك أن يغرك هذا وأمثاله بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، أوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك، فاتق الله في التزكية منك لنفسك، ولا ترضَ بها من أحد يقولها لك في وجهك؛ فإنك أنت أعرف بنفسك منهم، فإنه بلغني أن رجلاً مدح عند النبي فقال لهم: قطعتم ظهره، لو سمعها ما أفلح.. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أحثوا التراب في وجوه المداحين.