|
#1
|
||||
|
||||
![]() القيم الاسلامية
الحرية جعل الإسلام "الحرية" حقا" من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخليا"، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن "الحرية" أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها قال تعالى(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )) فنفي الإكراه في الدين، الذي هو أعز شيء يملكه الإنسان، للدلالة على نفيه فيما سواه وأن الإنسان مستقل فيما يملكه ويقدر عليه لا يفرض عليه أحد سيطرته، بل يأتي هذه الأمور، راضيا" غير مجبر، مختارا" غير مكره. 1/ مفهوم الحرية يقصد بالحرية:قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل ويصدر بها أفعاله ،بعيدا" عن سيطرة الآخرينلأنه ليس مملوكا" لأحد لا في نفسه ولا في بلده ولا في قومه ولا في أمته. هل "الحرية" تعني الإطلاق من كل قيد ؟ لا يعني بطبيعة الحال ، إقرار الإسلام للحرية ، أنه أطلقها من كل قيد وضابط ، لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى ، التي يثيرها الهوى والشهوة ، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه ، ولذلك منع من اتباعه ، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه ، يعيش بين كثير من بني ***ه ، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر ، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان ، سواء كان فردا" أو جماعة" ، ولذلك وضع قيودا" ضرورية" ، تضمن حرية الجميع ، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي : أ- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه ب- ألا تفوت حقوقا أعم منها،وذلك بالنظر إلى قيمتهافي ذاتها ورتبتها ونتائجها ج - ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة ،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد ،ولكنه وازن بينهما ،فأعطى كلا" منهما حقه. أنواع الحرية - الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية - الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية الصنف الأول : الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية ، وهذا الصنف يشمل الآتي: أ - الحرية الشخصية: والمقصود بها : أن يكون الإنسان قادرا" على التصرف في شئون نفسه ، وفي كل ما يتعلق بذاته ، آمنا من الاعتداء عليه ، في نفسه وعرضه وماله ، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين 1/ حرمة الذات ، وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان ، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره ، قال تعالى(ولقد كرمنا بني آدم)) ، وقال تعالى(وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)) وميزه بالعقل والتفكير تكريما" له وتعظيما" لشأنه ، وتفضيلا" له على سائر مخلوقاته ، وفي الحديث عن عائشة – رضي الله عنها – مرفوعا" : " أول ما خلق الله العقل قال له اقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا" أكرم علي منك ، بك آخذ ، وبك أعطي ، وبك أثيب ، وبك أعاقب" وفي هذه النصوص ما يدعو إلى احترام الإنسان ، وتكريم ذاته ، والحرص على تقدير مشاعره ، وبذلك يضع الإسلام الإنسان ، في أعلى منزلة ، وأسمى مكان ، حتى أنه يعتبر الاعتداء عليه ، اعتداء على المجتمع كله ، والرعاية له رعاية للمجتمع كله ، وقال تعالى (من اجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)) وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد، يتحقق أيا كان الشخص، رجلا أو امراة، حاكما أو محكوما، فهو حق ثابت لكل إنسان، من غير نظر إلى لون أو *** أو دين. حتى اللقيط في الطرقات و نحوها ،يجب التقاطه احتراما لذاته و شخصيته ، فإذا رآه أحد ملقى في الطريق ،وجب عليه أخذه ،فان تركوه دون التقاطه أثموا جميعا أمام الله تعالى ،و كان عليهم تبعة هلاكه. هذا و كما حرص الإسلام على احترام الإنسان حيا ،فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتا ،فمنع التمثيل بجثته ،و الزم تجهيزه و مواراته ،و نهى عن الاختلاء و الجلوس على القبور 2/ تامين الذات :بضمان سلامة الفرد و أمنة في نفسه و عرضه و ماله: فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح ،أو أي شكل من أشكال الاعتداء ،سسواء كان على البدن ،كالضرب و السجن و نحوه ،أو على النفس و الضمير ،كالسب أو الشتم و الازدراء و الانتقاص و سوء الظن و نحوه ،و لهذا قرر الإسلام زواجر و عقوبات ، تكفل حماية الإنسان و وقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه ،ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قويا كان الزجر أشد ،ففي الاعتداء على النفس بالقتل و جب القصاص ،كما قال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)) أو كان الاعتداء على الجوارح بالقطع و جب القصاص أيضا كما قال تعالى (و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن و السن بالسن و الجروح قصاص)) و منع عمر ابن الخطاب –رضي الله عنه – الولاة من أن يضربوا أحدا إلا أن يكون بحكم قاض عادل ،كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك بمقدار ما ضربوا رعاياهم بل انه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبوا أحدا من الرعية ،ووضع عقوبة على من يخالف ذلك. ب-حرية التنقل (الغدو و الرواح ) : والمقصود بها :أن يكون الإنسان حرا في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي ،تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه ،ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها ،بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير ((حرية التنقل )) بالكتاب والسنة والإجماع ففي الكتاب قوله تعالى : ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و أليه النشور)) و لا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة ،كما فعل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في طاعون عمواس ،حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام ،الذي كان به هذا الوباء ،و لم يفعل ذلك الا تطبيقا لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع بأرض و انتم بها فلا تخرجوا فرار منه) و لاجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل ،حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات ،و أنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق و يروعون الناس بالقتل و النهب و السرقة، قال تعالى : ((إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم)) و لتاكيد حسن استعمال الطرق و تأمينها ،نهى النبي صلى الله عليه و سلم صحابته عن الجلوس فيها، فقال: (إياكم و الجلوس في الطرقات ،قالوا: يا رسول الله ،ما لنا بد في مجالسنا، قال: فان كان ذلك، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: و ما حق الطريق يا رسول الله ؟قال: غض البصر و كف الأذى، و رد السلام،و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ) فالطرق يجب أن تفسح لما هيئ لها، من السفر و التنقل و المرور، و أي استعمال لغير هدفها محظور لا سيما إذا أدي إلى الاعتداء على الآمنين ، و لأهمية التنقل في حياة المسلم وأنه مظنة للطوارئ ، فقد جعل الله تعالى ابن السبيل- وهو المسافر- أحد مصارف الزكاة إذا ألم به ما يدعوه إلى الأخذ من مال الزكاة ، ولو كان غنياً في موطنه . ج-حرية المأوى و المسكن : فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه ،فله حرية ذلك ،كما أن العاجز عن ذلك ،ينبغي على الدولة أن تدبر له السكن المناسب ،حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته. روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)وقد استدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث وغيره على أن أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيئ عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارةوالدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه. فإذا ما ملك الإنسان مأوى و مسكن ،فلا يجوز لأحد ،أن يقتحم مأواه ،أو يدخل منزله إلا بإذنه ،حتى لو كان الداخل خليفة ،أو حاكما أعلى –رئيس دوله-ما لم تدع إليه ضرورة قصوى،أو مصلحة بالغة، لان الله تعالى يقول : ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها ذلكم خيركم لعلكم تذكرون ،فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ،و إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم و الله بما تعملون عليم )) و إذا نهي عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها ،فالاستيلاء عليها ،أو هدمها أو إحراقها من باب أولى ،إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة ،بعد ضمان البيت ضمانا عادلا، و هذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد ،أو بناء شارع ، أو إقامة مستشفى ،أو نحو ذلك ،و قد أجلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه –أهل نجران ،و عوضهم بالكوفة ولحفظ حرمة المنازل وعظمتها ،حرم الإسلام التجسس، فقال تعالى ( و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا )) وذلك لأن في التجسس انتهاكا لحقوق الغير ،والتي منها :حفظ حرمة المسكن ،و حرية صاحبه الشخصية بعدم الاطلاع على أسراره بل و بالغ الإسلام في تقرير حرية المسكن بأن أسقط القصاص والديه عمن انتهك له حرمة بيته ،بالنظر فيه و نحوه يدل على ذلك حديث أبى هريرة –رضي الله عنه-أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه) وهدرت:أي لاضمان على صاحب البيت. فعين الإنسان –رغم حرمتها وصيانتها من الاعتداء عليها ،وتغليظ الدية فيها –لكنها هنا أهدرت ديتها بسب سوء استعمالها واعتدائها على حقوق الغير . د-حرية التملك : و يقصد بالتملك : حيازة الإنسان للشيء و امتلاكه له ، و قدرته على التصرف فيه ،و انتفاعه به عند انتقاء الموانع الشرعية و له أنواع و وسائل نوجزها في الآتي: 1/ أنواع الملكية: للملكيه أو التملك نوعان بارزان،هما:تملك فردي ،و تملك جماعي. فالتملك الفردي: هو أن يحرز الشخص شيئا ما ،و ينتفع به على وجه الاختصاص و التعين. وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك ،و جعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي ،و رتب على هذا الحق نتائجه الطبيعية في حفظه لصاحبه ،و صيانته له عن النهب و السرقة ،و الاختلاس و نحوه ،ووضع عقوبات رادعة لمن اعتدى عليه ،ضمانا له لهذا الحق ،و دفعا لما يتهدد الفرد في حقه المشروع .كما أن الإسلام رتب على هذا الحق أيضا نتائجه الأخرى ،و هي حرية التصرف فيه بالبيع أو الشراء ،و الإجارة و الرهن ،و الهبة و الوصية و غيرها من أنواع التصرف المباح غير أن الإسلام لم يترك (التملك الفردي) مطلقا من غير قيد،و لكنه وضع له قيودا كي لا يصطدم بحقوق الآخرين ،كمنع الربا و الغش و الرشوة و الاحتكار و نحو ذلك ،مما يصطدم و يضيع مصلحة الجماعة .و هذه الحرية لا فرق فيها بين الرجل و المرأة قال الله تعالى : ((للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن )) أما النوع الثاني :فهو التملك الجماعي :و هو الذي يستحوذ عليه المجتمع البشري الكبير ،أو بعض جماعاته ،و يكون الانتفاع بآثاره لكل أفراده ،و لا يكون انتفاع الفرد به ،إلا لكونه عضوا في الجماعة ،دون أن يكون له اختصاص معين بجزء منه مثاله :المساجد والمستشفيات العامة والطرق والأنهار والبحار وبيت المال ونحو ذلك. و ما ملك ملكا عاما يصرف في المصالح العامة ،و ليس لحاكم أو نائبه أو أي أحد سواهما أن يستقل به أو يؤثر به أحد ليس له فيه استحقاق بسب مشروع وإنما هو مسؤول عن حسن إدارته و توجيهه التوجيه الصحيح الذي يحقق مصالح الجماعة ويسد حاجاتها 2/ وسائل الملكية : و هي طرق اكتسابها التي حددها الإسلام ،و عينها ،و حرم ما سواها ،و يمكن تقسيمها أيضا إلى قسمين :وسائل الملكية الفردية ،و الجماعية. |
#2
|
||||
|
||||
![]() - وسائل الملكية الفردية ،و لها مظهران:
المظهر الأول :الأموال المملوكة ،أي المسبوقة بملك ،و هذه الأموال لا تخرج من ملك صاحبها إلى غيره إلا بسب شرعي كالوراثة ،أو الوصية ،أو الشفعة ، أو العقد ،أو الهبة ،أو نحوها. المظهر الثاني :الأموال المباحة ،أي غير المسبوقة بملك شخص معين ،و هذه الأموال لا يتحقق للفرد تملكهاإلا بفعل يؤدي إلى التملك و وضع اليد ،كإحياء موات الأرض و الصيد ،و استخراج ما في الأرض من معادن ،و إقطاع ولي الأمر جزءا من المال لشخص معين،و العمل ،و نحوه . على أن ثمة قيودا على الملكية الفردية ،تجمل فيما يلي: 1/ مداومة الشخص على استثمار المال ،لأن في تعطيله إضرارا بصاحبه ،و بنماء ثروة المجتمع 2/ أداء زكاته ،إذا بلغ نصابا ،لأن الزكاة حق المال ،و كذلك إنفاقه في سبيل الله 3/ اجتناب الطرق المحرمة للحصول عليه ،كالربا ،و الغش و الاحتكار و نحوه 4/ عدم الإسراف في بذله أو التقتير - وسائل الملكية الجماعية ،و لها مظاهر كثيرة ،نوجزها في الآتي: المظهر الأول :الموارد الطبيعية العامة ،و هي التي يتناولها جميع الناس في الدولة دون جهد أو عمل . كالماء ،و الكلأ ،و النار ،و ملحقاتها. المظهر الثاني :الموارد المحمية ،أي التي تحميها الدولة لمنفعة المسلمين أو الناس كافة ،مثل :المقابر ،والمعسكرات ،و الدوائر الحكومية ،والأوقاف ،والزكوات و نحوها. المظهر الثالث :الموارد التي لم تقع عليها يد أحد ،أو وقعت عليها ثم أهملتها مدة طويلة كأرض الموات. المظهر الرابع :الموارد التي تجنيها الدولة بسبب الجهاد كالغنائم والفيء ونحوها هـ- حرية العمل : العمل عنصر فعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام ،و له شرف عظيم باعتباره قوام الحياة ولذلك فان الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه و لم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. و لأهمية العمل في الإسلام ،اعتبر نوعا من الجهاد في سبيل الله ،كما روى ذلك كعب بن عجرة –رضي الله عنه –قال : (مر على النبي صلى الله عليه و سلم رجل ،فرأى أصحاب الرسول الله صلى الله عليه و سلم من جلده و نشاطه ،فقالوا :يا رسول الله ،لو كان هذا في سبيل الله ،فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن كان خرج يسعى على ولده صغارا ،فهو في سبيل الله ،و إن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله ،و إن كان خرج يسعى على نفسه يعضها فهو في سبيل الله ،و إن كان خرج يسعى رياء و مفاخرة فهو في سبيل الشيطان) وهكذا نجد كثيرا من نصوص الكتاب و السنة ،تتحدث عن العمل ،و تحث عليه ،و تنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد و نجارة السفن ،و فلاحة الأرض ،و نحو ذلك ،لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، و البقاء –من حيث هو – هدف مرحلي للغاية الكبرى ،و هي عبادة الله ،و ابتغاء رضوانه ،و بقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة،فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى،و بالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل و التضحية،و إنما نوه القرآن بالعمل و الكسب للتنبيه على عظم فائدته و أهميته للوجود الإنساني،وأنه أكبر نعمة الله على الإنسان. الصنف الثاني :الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية ،و هذا الصنف يشمل الآتي: أ-حرية الاعتقاد ،و يقصد بها :اختيار الإنسان لدين يريده بيقين ،و عقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك .فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان ،و يجعل المكره مسلوب الإرادة ،فينتفي بذلك رضاه و اقتناعه و إذا تأملنا قول الله تعالى : ((لا إكراه في الدين )) نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته ،و أقر أن الفكر و الاعتقاد ،لا بد أن يتسم بالحرية ،وأن أي إجبار للإنسان ، أو تخويفه ، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكره ،باطل و مرفوض ،لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب ،و لا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى : ((و لو شاء ربك لاّمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )) و قال أيضا ((فذكرإنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )) كل هذه الآيات و غيرها ،تنفي الإكراه في الدين ،و تثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به. هذا و يترتب على حرية الاعتقاد ما يلي: 1/ إجراء الحوار و النقاش الديني ،وذلك بتبادل الرأي و الاستفسار في المسائل الملتبسة ،التي لم تتضح للإنسان ،و كانت داخلة تحت عقله و فهمه –أي ليست من مسائل الغيب – وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه ، وقد كان الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة و رضى و طواعية ، بل إن إبراهيم –أبا الأنبياء عليه السلام –حاور ربه في قضية ((الإحياء و الإماته )) ليزداد قلبه قناعة و يقينا و ذلك فيما حكاه القرآن لنا في قوله تعالى : ((وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا فلما تبين له قال أعلم أن الله عزيز حكيم )) بل إن في حديث جبريل عليه السلام ،الذي استفسر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ((الإسلام ))و ((الإيمان ))و ((الإحسان )) و ((علامات الساعة )) دليل واضح على تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية ،سواء كانت بين المسلمين أنفسهم ،أو بينهم و بين أصحاب الأديان الأخرى ،بهدف الوصول إلى الحقائق و تصديقها ،لا يقصد إثارة الشبه و الشكوك و الخلافات ،فمثل تلك المناقشة ممنوعة ، لأنها لا تكشف الحقائق التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين 2/ ممارسة الشعائر الدينية ،و ذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينية ،دون انتقاد أو استهزاء ، أو تخويف أو تهديد،و لعل موقف الإسلام الذي حواه التاريخ تجاه أهل الذمة –أصحاب الديانات الأخرى –من دواعي فخره و اعتزازه ،و سماحته ،فمنذ نزل الرسول صلى الله عليه و سلم يثرب –المدينة المنورة –أعطى اليهود عهد أمان ، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم و عقيدتهم ،و إقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم .ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون ،فكتب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – لأهل إيلياء –القدس- معاهدة جاء فيها : (( هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين ، أهل ايلياء من الأمان ،أعطاهم أمانا على أنفسهم ،و لكنائسهم و صلبانهم ،،،لا تسكن كنائسهم ولا تهدم و لا ينتقص منها و لا من غيرها و لا من صلبهم ،و لا يكرهون على دينهم ،و لا يضار أحد منهم )) و ها هم علماء أوروبا اليوم ،يشهدون لسماحة الإسلام ،و يقرون له بذلك في كتبهم .قال ((ميشود )) في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية ) : (( إن الإسلام الذي أمر بالجهاد ،متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى و هو قد أعفى البطاركة و الرهبان و خدمهم من الضرائب ،و قد حرم قتل الرهبان –على الخصوص – لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس ،وقد ذبح الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها )) أي مدينة القدس ب- حرية الرأي ،و تسمى أيضا بحرية التفكير ،و التعبير وقد جوز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة ،و الظواهر المختلفة ،و يحاول تجربتها بعقله ،و استخدامها لمصلحته مع بني ***ه ،لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان ،يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته و مدى قابليته للتفاعل و التأثير ،ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر و طول التفكير. هذا و لإبداء الرأي عدة مجالات و غايات منها: 1/ إظهار الحق و إخماد الباطل ،قال تعالى : ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون)) فالمعروف هو سبيل الحق ،و لذلك طلب من المؤمن أن يظهره ،كما أن المنكر هو سبيل الباطل ،و لذلك طلب من المؤمن أن يخمده. 2/ منع الظلم و نشر العدل ،و هذا ما فعله الأنبياء و الرسل إزاء الملوك و الحكام و يفعله العلماء و المفكرون مع القضاة و السلاطين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) 3/ و قد يكون إبداء الرأي ،بتقديم الأمور حسب أهميتها و أولويتها ،و هذا أكثر ما يقوم به أهل الشورى في أكثر من بلد ،و أكثر من مجتمع و قد يكون بأي أسلوب آخر ،إذ من الصعب حصرها ،و لكنها لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضره ،ويعود عليه بالفساد ،بل لا بد أن تكون في إطار الخير والمصلحة إذ الإسلام بتقريره حرية الرأي ، إنما أراد من الإنسان أن يفكر كيف يصعد ،لا كيف ينزل ،كيف يبني نفسه و أمته ،لا كيف يهدمها ،سعيا وراء شهوتها و هواها. وباستعراض التاريخ الإسلامي ،نجد أن ((حرية الرأي )) طبقت تطبيقا رائعا ،منذ عصر النبوة ،فهذا الصحابي الجليل ،حباب بن المنذر ، أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر ،على غير ما كان قد رآه النبي صلى الله عليه و سلم ،فأخذ النبي صلى الله علبه و سلم برأيه ، و أبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك ،و أشاروا على النبي صلى الله عليه و سلم بتطليق زوجته عائشة –رضي الله عنها –إلا أن القرآن برأها ،و غير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم ج-حرية التعلم : طلب العلم و المعرفة حق كفله الإسلام للفرد ،و منحه حرية السعي في تحصيله ،و لم يقيد شيئا منه ، مما تعلقت به مصلحة المسلمين دينا و دنيا ،بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله ،و سلوك السبيل الموصل إليه ، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة ،و إنما تتحقق به مضرة و مفسدة ،فهذا منهي عنه ،و محرم على المسلم طلبه ،مثل علم السحر و الكهانة ،و نحو ذلك. و لأهمية العلم و المعرفة في الحياة ،نزلت آيات القرآن الأولى تأمر النبي صلى الله عليه و سلم بالقراءة قال تعالى: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق ،خلق الإنسان من علق ،اقرأ و ربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ،علم الإنسان ما لم يعلم)) و القراءة هي مفتاح العلم ،و لذلك لما هاجر النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ،و نصب عليه الكفار الحرب ،و انتصر المسلمون و أسروا من أسروا من المشركين ،جعل فداء كل أسير من أسراهم ،تعليم القراءة و الكتابة لعشرة من صبيان المدينة و هذا من فضائل الإسلام الكبرى ،حيث فتح للناس أبواب المعرفة ،و حثهم على و لوجها و التقدم فيها ،و كره لهم القعود عن العلم و التخلف عن قافلة الحضارة و الرفاهية و الازدهار .و من أجل ذلك كان على الدولة الإسلامية ،أن تيسر سبل التعليم للناس كافة ،و تضمن لكل فرد حقه في ذلك لأن هذا الحق مضمون لكل فرد من رعاياها ،كسائر الحقوق الأخرى. د- الحرية السياسية : و يقصد بها :حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم ،و انتخابها ،و مراقبة أدائها ،و محاسبتها ،و نقدها ،و عزلها ،إذا انحرفت عن منهج الله و شرعه ،و حولت ظهرها عن جادة الحق و الصلاح . كما أنه يحق له المشاركة في القيام بأعباء السلطة ،و وظائفها الكثيرة ،لأن السلطة حق مشترك بين رعايا الدولة،و ليس حكرا على أحد ،أو وقفا على فئة دون أخرى و اختيار الإنسان للسلطة ،قد يتم بنفسه ،أو من ينوب عنه من أهل الحل و العقد و هم أهل الشورى ،الذين ينوبون عن الأمة كلها في كثير من الأمور منها : القيام بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، إذ الحاكم يرجع في ذلك ،إلى أهل الخبرة و الاختصاص من ذوى العلم و الرأي ،كما أنهم يوجهون الحاكم في التصرفات ذات الصفة العامة ، أو الدولية ،كإعلان الحرب ، أو الهدنة ، أو إبرام معاهدة ، أو تجميد علاقات ، أو وضع ميزانية أو تخصيص نفقات لجهة معينة أو غير ذلك من التصرفات العامة ،التي لا يقطع فيها برأي الواحد. قال تعالى : (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )) و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله و لرسوله و لأمة المسلمين و عامتهم ) |
#3
|
||||
|
||||
![]() القيم الاسلامية
العدل عندما تختفي أنوار العدل عن البشر ، يغشاهم الهرج والمرج ، ويتفشى الظلم بينهم بشكلٍ فظيع، حيث تجد القويّ يفتك بالضعيف ، والقادر يسلب حق العاجز ، والغالب يُريق دم المغلوب ، والراعي يهضم حق المرعى ، والكبير يقهر الصّغير ، ولا يخرجهم من هذا الوضع المشين ، إلاّ "العدل" سعادتهم ، وقاعدة أمنهم واستقرارهم. فما هو العدل وما أنواعه ، وما ثمرته ، وكيف طبقّه المسلمون في حياتهم ؟؟ أسئلة وتساؤلات تأتي الإجابة عنها في الفقرات الآتية: 1/ مفهوم العدل : المراد بالعدل : إعطاء كل ذي حق حقه ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، من غير تفرقة بين المستحقين ولأهمية العدل ومنزلته ، بعث الله رسله وأنزل كتبه ، لنشره بين الأنام ، قال تعالى( لقد أرسلنا رُسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)) والقسط : العدل ، وهو قوام الدنيا والدين ، وسبب صلاح العباد والبلاد ، به قامت السموات والأرض ، وتألفت به الضمائر والقلوب والتأمت به الأمم والشعوب ، وشمل به الناس التناصف والتعاطف، وضمهم به التواصل والتجانس ، وارتفع به التقاطع والتخالف. وضعه الله تعالى لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص، إذ هو الميزان المستقيم، الذي لا تميل كفته، ولا يختل وزنه، ولا يضطرب مقياسه، فمن رام مخالفته، وقصد مُجانيته، عرّض دينه للخبال، وعمرانه للخراب، وعزته للهوان، وكثرته للنقصان، وما من شيء قام على العدل، واستقام عليه ، إلاّ أمن الانعدام، وسلم من الانهيار. ومن أهم دعائم السعادة، التي ينشدها البشر في حياتهم، أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم، وأن يستقر العدل فيما بينهم، وإلاّ فلا يعرف على وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدّمار، وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات، من سلب الحقوق. إذن العدل قيمة ضرورية في الإسلام، عمل الإسلام على إثباتها، وإرسائها بين الناس، حتى ارتبطت بها جميع مناحي تشريعاته ونظمه، فلا يوجد نظام في الإسلام إلاّ وللعدل فيه مطلب، فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشهادة، وكتابة العهود والمواثيق بل إنه مرتبط أيضاً بنظام الأسرة والتربية، والاقتصاد والاجتماع، والسلوك، والتفكير، إلى غير ذلك من أنظمة الإسلام المختلفة وهذا يدل بوضوح على أن الإسلام ضمن قيمة العدل في جميع مجالات الحياة، بل إنه ركز كافة أهدافه على ضوئها، مما شهد له التاريخ على سلامة المجتمعات التي حكمها، من الانهيار الخطير في الأخلاق ، وأمنها من اضطراب الموازين والمعايير ، وصانها من دمار النفوس، وخراب العمران. |
#4
|
||||
|
||||
![]() 2/ أنواع العدل :
يمكن تقسيمه إلى أنواع باعتبارات مختلفة ، منها: أ - تقسيم العدل باعتبار زمانه ومكانه : والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين: 1/عدل في الدنيا : وهو يشمل الحياة البشرية كلها ، منذ أن خلق الله آدم – عليه السلام – إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى( ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات ، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)) و معلوم أن رسل الله وأنبياءه، موزعون على الأزمان والأجيال بالتعاقب، ليقيموا العدل بين الناس ، إذ الناس يختلفون ويختصمون، ويؤثر فيهم الهوى والشهوة، فيقع الظلم بينهم، فجاء الأنبياء بالعدل لرفع ذلك الظلم ، ومنع ضرره، ولولاهم ، لفسدت حياة الناس وخربت عليهم الديار. وفي قصة ابني آدم – عليه السلام وهما قابيل وهابيل – التي خلّد ذكرها القرآن ما يعطي صورة واضحة على خطورة الظلم وضرره ، حيث إنه أول معصية أودت بحياة إنسان على وجه الأرض ، ويؤكد على ضرورة العدل ، كي تعيش البشرية في أمن وسلام واستقرار. وهذا العدل الدنيوي عدل تبين لأنه يقوم على حسب وسع البشر في تطبيقهم لمقتضيات العدل الإلهي المثبت في أحكامه وشرائعه. 2/عدل في الآخرة: وهو الذي استأثر به الله تعالى يوم القيامة ، إذ قد يفلت الظالم في الدنيا من سلطة الحكم العادل ، الذي يرد عليه ظلمه ، ويؤاخذه بذنبه ، كما أن من التزم العدل في الدنيا ، يتشوق إلى الأجر العظيم ، الذي أعده الله له يوم القيامة مقابل التزامه وصبره وتحمله. وفي هذا وذاك ، يقول الله تعالى : (( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبّةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين)) وهذا هو العدل المطلق لأن الذي يتولى القيام به هو الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال حبة أو ذرة في السماوات و لا في الأرض. ب - تقسيم العدل باعتبار عمومه وشموله: والعدل بهذا الاعتبار يعمّ الإنسان والحيوان وسائر الكائنات. أما شموله للإنسان فتدّل عليه أدلة كثيرة ، منها قوله تعالى(ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)) والخطاب للعقلاء ، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته ، مع نفسه وغيره ، حتى لو كان الغير عدوّه وخصمه لأن سلطان العدل ، ليس له حدود ، فهو يتجاوز حدود الدين والعقيدة ، ويتجاوز حدود القرابة والنّسب ، ويتجاوز حدود الأرض أو الوطن ، فمن كان له حق لآخر ، فلا يظلمه ، بحجة أنه يختلف معه في الدّين أو النسب ، أو الوطن ، بل الواجب عليه أن يعطيه حقه لإنسانيته ، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس. وأما شموله للحيوان ،فلأن الإنسان مأمور بعدم ظلمه وإيذائه ، سواء كان بحبس أو تجويع أو تحميل له فوق طاقته أو غير ذلك ، وقد دخلت إمرأة النار في هرة ، حبستها من غير أن تطعمها أو تخلي سبيلها فتأكل من حشاش الأرض ودخل رجل الجنة في كلبٍ وجده يلهث ويأكل التراب من شدة العطش ، فنزل في البئر ،فملأ خفّه ماء ، فسقاه ، فشكر الله له ، وأدخله الجنة فالحيوان وإن كان لا يستطيع هو بنفسه أن يحقق العدل في حياته – لعدم تكليفه حيث لا يعقل الخطاب عن المكلف – إلا أن الذين يعيشون معه مطالبون بالعدل معه ، والكف عن أذيته. وأما شمول العدل لسائر الكائنات، فهو ما نراه ونلحظه في حركة الكائنات التي تسبح في الأرض، أو التي تسبح في الفضاء، فإنها تتحرك حركة عادلة، فمنها ما يلاحظ عدله في الحركة بين السرعة والبطء، كالليل والنّهار، والشمس والقمر، والنجوم والكواكب، لهذا قال الله تعالى(والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز الحكيم ، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النّهار وكل في فلك يسبحون)) ومنها ما يكون عدله مركوزاً في حركته بين الزيادة والنقصان ، كالماء واليابسة، فإن الماء لو طغى على اليابسة، لهلك كل شيء يقطن اليابسة، كما أنه لو نقص ، لهلك كل كائن يعيش في الماء. ومن الكائنات ما عدله ملاحظ في طبيعته وتكوينه البيولوجي والكيمائي ، كالحيوانات التي تدّب على الأرض وما من شيء في الكون ، إلاّ وقد رُكزّ "العدل" في نظام حياته ، مما فيه الحياة أو نظام حركته ، مما لا حياة فيه ، ولكنه يسير ويتحرك. ج – تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان: والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين: - عدل فردي : وهو ما كان مظهراً للتوازن النفسي لدى الفرد ، وذلك أن تناسب قوى المرء الثلاث – العقل والغضب والشهوة – أمر راجع إلى الإنسان نفسه ، إما لذاته ، نتيجة تأملاته وأفكاره الفردية، وإما بتأثير غيره، عن طريق العلم والمعرفة والإدراك مثال ذلك: عدل الإنسان في نفسه ، بأن يعدل في جسده وروحه ، وعقله وفكره ، وأخذه وعطائه ، وعمله ونشاطه ، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة. - عدل جماعي : وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين ، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير أي أن الإنسان يعتدل في أخذ ما له من حقوق ، وأداء ما عليه من واجبات. مثال ذلك: عدل الإنسان في بيعه وشرائه ، وفي حكمه وقضائه ، وشهادته وأمانته ، ومنعه وعطائه ، وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية الكثيرة ، التي يجري فيها العدل بين الفرد وغيره. فالحاكم الأعلى أو الرّئيس – وهو إنسان فرد – يجب عليه إزاء الجماعة أن يتبع قواعد العدل في توليتها ، وذلك بإسناد الأعمال إلى أهلها من ذوي الكفاءة والخبرة. والقاضي يجب أن يراعي العدل بين الخصمين ، بإعطاء كل ذي حق حقه ، وإلزام من عليه الحق أن يدفعه لمستحقه. والزوج كذلك عليه أن يعاملزوجته أو زوجاته بالعدل، ويعطي كل واحدة منهن حقها المشروع ، من النفقة والسكن ، والمبيت والركوب ، والطعام واللباس ونحوه. والأب مطالب بالعدل بين أبنائه ، في التربية والتعليم ، والصحة ، والمنع والعطاء ، وألاّ يفضل أحداً على آخر إلاّ بحقّه وقد ثبت كل ذلك بنصوص صريحة ومباشرة قال الله تعالى : ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )) وقال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال تعالى: ((فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)) |
#5
|
||||
|
||||
![]() 3/ ثمرة العدل: إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل ، لا بدّ أن يجني في حياته ثمرات عظيمة ومنافع كثيرة ، نذكر منها ما يلي: أ – العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار، وحافز كبير لهم على الإقبال على العمل والإنتاج، فيترتب على ذلك: نماء العمران و إتساعه، وكثرة الخيرات وزيادة الأموال والأرزاق، ولا يخفى أن المال والعمل، من أكبر العوامل لتقّدم الدّول وازدهارها ، بينما في المقابل تكون عواقب الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم ، وغمطهم حقوقهم، هي الإحجام عن العمل ، والركود عن الحركة والنشاط، لفقد الشعور بالإطمئنان والثقة بين الناس. وهذا يؤدي بدوره إلى الكساد الاقتصادي، والتأخر العمراني ، والتعثر السّياسي يقول ابن خلدون: [اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب، والعمران ووفوره ، ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال، فإذا قعد الناس عن المعاش ، كسدت أسواق العمران، وانتقصت الأموال، وابذعر-أي تفرق- الناس في الآفاق، وفي طلب الرّزق، فخفّ ساكن القطر، وخلّت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلافه حال الدّولة] ب-أنه بغير العدل ، يتحيّن الناس الفرصة ،للثورة على الحكومة الظالمة ، وخلع يد الطاعة عن أعناقهم، ذلك أن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها ،وكره من أساء إليها ، وليس هناك إساءة أشد من الظلم ، وأفدح من الجور ،ولذلك تقوم الثورات كل حين ،وتزداد الانتفاضات هنا وهناك ، لتقويض كابوس الظلم ،ورفع وطأته عن كاهل الشعوب. وما قيام "الثورة الفرنسية" في أوروبا ،والانتفاضة الفلسطينية في الشرق الأوسط ومقاومة التمييزالعنصري في أمريكا وجنوب أفريقيا إلاّ صورة معبرة عن فقدان العدل في تلك الأماكن وانتشار الظلم فيها ،فأسفر عن إعلان غضب شعوب المنطقة على الظلم وأهله، وكراهيتها لأساليب القمع والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والطغيان والاستبداد التي تمارسها السّلطات القائمة في تلك المناطق ضد شعوبها. |
#6
|
||||
|
||||
![]() 4/ تطبيقات العدل في الإسلام:
طبّق المسلمون "العدل" في أعلى صوره ، بدءاً برسول الله ، الذي حكى عنه القرآن قوله(إنما أنا بشر مثلكم)) فقد وضع نفسه في مصاف مرتبة البشر ، ولم يحمله شرفه العظيم للامتياز عن الناس تبريراً لأخذ حقوقهم من غير وجه حق ، بل كان نموذجاً رائعاً في إقامة العدل ، حتى على نفسه الكريمة رغم كونه نبي الله ورسوله. فقد رُوى أن أسيد بن خضير – رضي الله عنه – كان رجلاً صالحاً ضاحكاً مليحاً ، فبينما هو عند رسول الله ، يحدث القوم ويضحكهم ، طعن رسول الله في خاصرته ، فقال: أوجعتني. قال صلى الله عليه و سلم: "اقتص" قال: يا رسول الله إن عليك قميصاً ، ولم يكن عليّ قميص. قال: فرفع رسول الله قميصه ، فاحتضننه ، ثم جعل يقبل كشحه ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أردت هذا وهذا من أروع الأمثلة على العدل ، الذي سيظلّ يعجز عن تحقيقه أعظم الزعماء إنصافاً مع رعاياه عبر القرون والأجيال. ومثال آخر في تطبيق العدل في الإسلام، عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أمير المؤمنين، الذي لم تزد قيمة شهادته على شهادة غيره من الناس لمجرد كونه أميراً. فقد روي عنه أنه كان يمر ليلاً – على عادته – ليتفقد أحوال رعيته، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة، وجمع الناس وخطب فيهم: "ما قولكم أيها الناس في رجل وامرأة رآهما أمير المؤمنين على فاحشة؟ فرد عليه عليّ بن أبي طالب: يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء، أو يجلد حد القذف، شأنه شأن سائر المسلمين. ثم تلا قوله تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون)) ولم يملك أمير المؤمنين إلاّ أن يمسك عن ذكر أسماء الجناة، حيث أدرك أنه لا يستطيع أن يأتي بباقي نصاب الشهادة وأنه لا فرق في هذا بينه وبين سائر المسلمين ومثال آخر: عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – الخليفة الرابع ، افتقد درعه – يوما من الأيام – فوجدها عند رجل نصراني ، فاختصمه إلى شريح القاضي ، فقال عليّ مدعياً: الدّرع درعي ، ولم أبع ولم أهب، وسأل شريح النصراني في ذلك فقال: ما الدّرع إلاّ درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذبٍ. فالتفت القاضي إلى أمير المؤمنين عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن النصراني صاحب اليد على الدّرع، وله بذلك حقٌ ظاهر عليها، فهل لديك بيّنة على خلاف ذلك تؤيد ما تقول؟ فقال أمير المؤمنين أصاب شريح ، مالي بيّنة، وقضى شريحٌ بالدرع للنصراني ، وأخذ النصراني الدّرع وانصرف بضع خطوات ،ثم عاد فقال أمّا أني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء ، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه ، فيقضي لي عليه ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، الدّرع درعك يا أمير المؤمنين ، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين ، فخرجت من بعيرك الأورق. فقال علي: أمّا و قد أسلمت فهي لك وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة ، التي تدلّ على تطبيق العدل في الإسلام في أعلى درجاته، قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولو على أنفسكم و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)) |
#7
|
|||
|
|||
![]()
تسلم يا غالى
|
![]() |
العلامات المرجعية |
|
|