فربما تجد إنسانًا لا يختم في شهر أو شهرين؛ لأنه مرتبط بمصالح متعدية النفع للمسلمين، فالناس ليسوا على درجة سواء، فمن كان مرتبطًا بأعمال متعدية النفع لإخوانه المسلمين فهذا يقرأ على قدر استطاعته، ولا يكلف نفسه أكثر من ذلك؛ لأنه لو جلس يقرأ هذه المدة لتعطلت تلك المنافع؛ كالعطف على الفقراء والمساكين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمرابطة والحراسة، فليس هذا حكمًا عامًّا على كل الناس، فهذا الحكم يدور مع النفع المتعدي، فمن كان نفعه متعديًا إلى الآخرين أكثر من نفع القراءة فيبقى على ذلك النفع ولا يترك القراءة، وإذا كان نفعه في القراءة أكثر فيبقى على القراءة حينئذ؛ كأن يكون هذا الإنسان متبحر في القراءة، ويعرف الصفات والمخارج، فإذا قرأ وسجلت هذه القراءة واستمع إليها أناس آخرون استفادوا منها، فهذا يبقى على حاله ويفرغ وقته لهذا الشيء حتى ينفع الله -تعالى- بهذه القراءة التي يتلوها، وكذلك مَن كان في المسجد أيضًا يدرس في الحلقات هذا في حقه أنه يبقى ليفيد الآخرين، فهو متوقف على النفع.
ولهذا رأى الإمام أحمد -رضي الله عنه- أنه لا يزيد على ثلاثة أيام إن كان جادًّا مجتهدًا، فلا يختم في ليلة ولا في ليلتين، بل يختم في ثلاث ليال، وقال بعض الظاهرية: يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة؛ ووقفوا على ظاهر النص، لكن اختيار الإمام أحمد ومَن معه من أهل العلم أنه يقرأ ليالي الصيف أقصر من ليالي الشتاء، وساعاتها طويلة، ويستطيع أن يختم ويقرأ، ولكن أقل الأحوال أن يحرص الإنسان على أن يختم في شهر رمضان، فشهر رمضان هو شهر القرآن، فيحرص على ذلك غاية الحرص؛ لأن السلف -رضوان الله عليهم- كانوا يتركون الدروس والعلوم الأخرى، وينصرفون إلى القرآن الكريم، هذا ما يتعلق بهذا الأثر عن ابن مسعود، وهو مخرج في الصحيحين(45)، وقد رواه أبو داود وأحمد(46).